الرئيسية / بحوث ودراسات / عبد الجليل صابونجو… المعتقل رقم 136 بقلم: محمد هاشم الصالحي

عبد الجليل صابونجو… المعتقل رقم 136 بقلم: محمد هاشم الصالحي

لم أتمكن من تشخيص الخطأ وتحديده تماماً وأنا أكتشف في وقت متأخر وجود أسماء قد ناضلت وعانت الأمرّين تحت وطأة ظلم النظام البائد. أشخاص لم نعرف عنهم شيئاً كثيراًحتى بعد مرور ما يقارب العشرون عاماً على التحرير. الجمعيات والمنظمات والقنوات قد سلطت الضوء على مجموعة قبعت في سجون النظام ومنهم من أعدم وقدموهم لنا بشكل جيد، مقابل أسماء لم يتم تسليط الضوء عليهم بالشكل الذي يليق بتأريخهم السياسي ونضالهم في مقارعة التمييز العنصري الذي اتبعه النظام العفلقي البائدفي حينه. ما زلت أسال.. هل يا ترى كان التقصير منا نحن أبناء الشعب في عدم بحثنا عن هؤلاء وإهمالنا لهم؟ أم الجمعيات والمنظمات الحكومية وغير الحكومية قصرت في التعريف بهم وفضلت بعضهم على بعض؟ أم التقصير هو من جانب السجين السياسي نفسه وعوائلهم الذين لم يتمكن من التعريف بأنفسهم؟.

لم تكن البداية سهلة بعد أن شـمّر مجموعة من الشباب عن ساعدهم لمقارعة أعتى الطغاة. كما لم تكن النهاية سهلة أيضا حيث انتهت بقضاء عمر طويل جاوز العشرون عاماًخلف القضبان. الوقوع في قبضة أقسى الانظمة الدكتاتورية التي لم تقم للإنسان وللقوانين السماوية والأرضية أية اعتبار ليس بالأمر الهين، حيث التعذيبالنفسي والجسدي وتدنيس كرامة الإنسان وملاحقة ذويهم وإقلاقهم وإفساد العيش عليهم.

السجين السياسي عبد الجليل فاتح عثمان

(عبد الجليل فاتح عثمان صابونجو التركماني الذي طالته أيادي القمع الصدامي. قضى سني شبابه في السجونلمدة عشرين عاماً وسبعة عشر يوماً بالتمام والكمال. كنت قد سمعت عن هذا الاسم سابقاً إلاّ أنني لم أكن قد قرأت عنه شيئاً مستفيضاً ولم أسمع عنه المزيد، حتى قررت البحث عنه واللقاء به بنفسي. كان لي ذلك اللقاء المنتظر عصر يوم الأحد بتأريخ 2/1/2022  في داره الكائن في طريق بغداد بمدينة كركوك، حيث دام اللقاء ساعتين ونصف الساعة.

الحاج عبد الجليل فاتح المولود في مدينة كركوك سنة 1958. أنهى دراسته الابتدائية في مدرسة اوغور الابتدائية (الفارابي) حالياً نهاية شارع التربية القديمة، ثم بدأ دراسة المرحلة المتوسطة في متوسطة المركزية. بعد إكمال دراسته المتوسطة تفرغ للعمل مع والده في محل لبيع الخشب خلف بناية محكمة كركوك. الحاج عبد الجليل هو في الترتيبالسابع من بين 6 إخوان و6 أخوات.

استمر في العمل في محل أبيه حتى تم سوقه لأداء الخدمة العسكرية الإلزامية في 1/1/1977. نقل إلى شعبة حسابات الفرقة الثانية بكركوك ليكون جندياً برتبة جندي مكلف بعد انهائه التدريبات العسكرية في مركز تدريب كركوك الأساسي.  

البدء بالنضال السري

بدأت حياته النضالية ضد النظام الصدامي العنجهيعقب إعدام النظام للمعلم التركماني الشاب حسين علي موسى دميرجى المعروف لدى العامة بـ (تنبل عباس). حيث اعتبر الشباب التركمان هذا الأمر إذلال لهم ومحاولة من النظام لتخويفهم وسلب حقوقهم وتكميم أفواههم. ليس من الرجولة السكوت على هذا الأمر لاسيما وأن الشعب التركماني لم يرتكب جرماً يذكر ليعدم أبنائه. وللتصدي لهذا الأمر وإيصال الصوت التركماني الرافض لسياسة القمع والإذلال، انبرى مجموعة من الشاب للتصدي والوقوف أمام هذا المد العنصري المشين. كان لـ عبد الجليل فاتح محاولة الانضمام إلى صفوف مجموعة شبابية تروم العمل على ايصال الصوت التركماني والتعريف بمظلوميته من خلال نشر المنشورات والكتابة على بعض الجدران وسط المدينة.

إلى جانب إعدام الشهيد حسين دميرجى كان الشعب التركمان غاضباً أيضاً من سياسة الصهر العرقي المتبع ضدهم والمتمثل بنقل التركمان من مركز مدينة كركوك إلى المدن الجنوبية في محاولة واضحة لصهرهم في غير بودقتهم. وكذلك منع التركمان من شراء عقارات في مدنهم التي ولدوا وترعرعوا فيها وهي أرض أبائهم وأجدادهم. كل هذه الأفعال الحكومية تمخضت عنها رد فعل شبابي تركماني تمثل بضهور بعض الشباب الذين سخروا أنفسهم في سبيل الدفاع عن أبناء جلدتهم ومنع وقوع المزيد من الانتهاكات بحقهم.  

الانضمام مع المجموعة

عام 1978 وهو ما زال مستمراً في الخدمة العسكرية انضم مع مجموعة من أصدقائه إلى تكوين فتي متكون من بعض من الأصدقاء وهم:

1. صالح قصاب

2. صلاح نجم الخفاف

3. صباح نورالدين كونيه جى

4. صلاح عبد الله عبد الرحمن تنه كجى.

مجموعة من الشباب التركماني الواعي الذين يبحثون عنسبل الخلاص من الظلم والخروج من تحت وطأة القهر والابتزاز. إنهم يتدارسون السبل الكفيلة لإنقاذهم من مصير مجهول قد يودي بهم إلى الهاوية كما أودى بالشهيد حسين دميرجى.

بدأت لقاءات هذه المجموعة في بيت صباح نورالدين كونيه جى. المواضيع المتداولة في هذه اللقاءات تخص بالدرجة الأولى إعدام الشهيد حسين دميرجى ونقل المواطنين التركمان إلى المحافظات الجنوبية. المجموعة كانت تحرص للغاية على الكتمان والتزام السرية التامة في الاجتماعات خشية الوقوع في قبضة النظام الدموي.

نشاطات المجموعة

عملت المجموعة على كتابة المنشورات ورميها في الطرقات وذلك الكتابة على الجدران ليلاً في تخفي تام. الغرض من هذا العمل هو تحشيد الجماهير وإيصال رسالة إلى السلطة المتغطرسة مفادها أن هناك من يدافع عن التركمان وإنهم ليسوا بلقمة سائغة.

الخطط المستقبلية للمجموعة

اقتراح تقدم به صلاح عبد الله عبد الرحمن إلى المجموعة يقترح فيها دعم الشباب التركمان وتقويتهم ثقافياً. المقترح يدعو إلى جمع التبرعات المالية قدر الامكان وإيصالها إلى الشباب الدراسين في الجامعات وحثهم على الحصول على أعلى الدرجات التي تؤهلهم للانخراط في أرقى الوظائف ليكونوا سندا لشعبهم ولسان حال التركمان. كذلك يهدف المقترح إلى إنشاء جيل مثقف واعي وتأمين طاقة بشرية تركمانية مؤهلة من كافة النواحي.

بوفق هذا المقترح قامت المجموعة بجمع التبرعات المالية والاشتراكات الشهرية والتي بلغت 18 ديناراً عراقياً. في إحدى الأيام وبعد صلاة العصر في جامع كركوك تم تسليم المبلغ إلى (عبد الجليل فاتح) ليقوم هو بدوره إلى ايصاله إلى محل نجار في شارع الجمهورية بكركوك والنجار هذا سيقوم بإيصال الأموال إلى الطلبة المشخصين لهذا الغرض.

القاء القبض

يبدو أن الأمر لم يكن بخاف على المخابرات العراقية آنذاك والتي كانت سباقة لقمع المواطنين والنيل منهم بل وتتفنن في قهر شعبها حتى انتهت المرحلة النضالية السلمية هذه بعد فترة وجيزة وتم القاء القبض على المجموعة.  

ففي يوم الخميس الموافق 6/12/1979 حين كان عبد الجليل فاتح في وحدته العسكرية في شعبة حسابات الفرقة الثانية، وقبل حلول عيد الأضحى المبارك بأيام معدودة، جاءت أفراد من الاستخبارات العسكرية وتم إلقاء القبض عليه هناك. اقتادوه إلى شعبة الاستخبارات العسكرية وبعد ساعتين تم إرساله إلى مديرية الأمن بمدنية كركوك.

لم يكن يعلم التهمة الموجهة إليه آنذاك حتى وصل إلى مبنى مديرية الأمن بكركوك. هناك التقى بمجموعة منالشباب التركمان الذين جيء بهم إلى نفس المكان ولم يكن يعرفهم مسبقا وقد تعرف عليهم هنا حديثاً وهم:

1. صباح عزيز

2. معظم عثمان

3. . ارشد رشاد فتح الله (ارشد الصالحي)

في هذا المكان وبعد تعرض هؤلاء الشباب إلى أبشع أنواع التعذيب الجسدي والنفسي ولمدة اسبوع كامل، تم إرسالهم إلى مديرية المخابرات العامة في بغداد الواقعة في منطقة البتاوين في مجموعة البيوت التي تدعى بـ (البيوت اليهودية).

المعتقل رقم 136

في هذا المكان الحقير الغيت الأسماء واستبدلت بالأرقام. أصبح عبد الجليل فاتح عثمان هنا يدعى بالمعتقل رقم (136) فالشخص المحتجز لدى جهاز المخابرات العراقية يجب أن يذل ويهان إلى أقصى حد ويجرد من كل ما من شأنه أن يحفظ له كرامته. وضع عبد الجليل في الزنزانة رقم 21. وهي عبارة عن غرفة بجدار سوداء اللون بمساحة 2X2 متر مربع، ليس فيها حمام ولا مرافق صحية ومعه في هذه الغرفة أربعة معتقلين أخرين. في هذا المكان لا يفرقون الليل من النهار حتى أنهم لا يعرفون نوع الطعام المقدم اليهم. يقول الحاج عبد الجليل إننا كنا نسمع صوت الآذان من بعيد ونعمل على تخمين الوقت فيما إذا كان الوقت مساءً او نهاراً. أثناء الحجز في الزنزانة رقم 21 تعرض عبد الجليلإلى مختلف أنواع التعذيب من التعليق والصعق بالكهرباءوالضرب لغرض إلحاق أكبر أذية جسدية ونفسية ممكنة. يضاف الى ذلك العذاب الذي كان يلحق بهم جراء اصابتهم بالقمل والجرب الذي كان يستقر تحت جلودهم. يقول عبد الجليل أن القمل كان يضع بيوضه على جلودنا والتي كانت تلمع حين نعرضها للشمس مرة كل اسبوع او اسبوعين. بقي الأمر على ما هو عليه في هذا المكان المشؤوم مدة 6 أشهر.

قسم المخزن

بعد هذه الحياة المرّة الصعبة في قبضة الجلاد، نقل المعتقل رقم 136 عبد الجليل فاتح إلى مكان اعتقال آخر في قسم الأحكام الخاصة بسجن أبو غريب سيء الصيت وفي قاعة تدعى قسم المخزن. عدد المسجونين هنا كان ما يقارب 500 سجين وهنا كان معه المعتقل أرشد الصالحي وشقيقه رشدي الصالحي.

يقول السيد عبد الجليل أن نقلهم إلى هذا المكان كان بسبب سوء التغذية الذي أصابهم وهم في سجون المخابرات العراقية. ففي هذا المعتقل يعرفون نوع الطعام الذي يأكلونه وكانوا يزودون بالتمن والعدس وما إلى ذلك حتى تحسنت حالتهم الصحية بعد أن كانوا معرضين إلى الموت المحقق بسبب الجوع.

من المفارقات

يقول الحاج عبد الجليل أن السجن في قسم المخزن كان يتكون من قاعتين متقابلتين. كل قاعة من هذه القاعات كانت مؤلفة من طابقين فيها غرف صغيرة وفي كل غرفة وضع معتقل واحد. بطبيعة الحال فإن الشخص المعتقل الموضوع في الطابق السفلي لا يتمكن من رؤية المعتقل الموجود في الغرفة التي فوقه. أمّا المعتقل الموضوع في القاعة المقابلة يمكن له رؤية الطابقين العلوي والسفلي ورؤية المعتقلين في الغرف الصغيرة من الجهة المقابلة.

المعتقل عبد الجليل كان وهو في غرفة المعتقل يمكنه رؤيةالمعتقلين في طابقي القاعة المقابلة. يقول السيد عبد الجليل أن إحدى الغرف كان فيها المعتقل أرشد الصالحي وفوقه شقيقه المعتقل رشدي الصالحي. بالطبع فان الشقيقين رشدي وأرشد لا يتمكنان من رؤية بعضهما البعض. إخراج الصوت في هذا المكان ممنوع منعاً باتاً وكل من يخرج صوتا مسموعاً يتعرض إلى أبشع أنواع التعذيب. السيد عبد الجليل يقول إنه قد أخبر المعتقل رشدي الصالحي عن طريق الإشارة بوجود أخيه أرشد الصالحي في الزنزانة التي تحته. تفهم المعتقل رشدي الصالحي من لغة الإشارة هذه أن أخاه أرشد موجود في غرفة المعتقل التي تحته. طلب رشدي من عبد الجليل أن يخبر شقيقه أرشد بوجوده هنا في الأعلى. قام عبد الجليل بإخبار أرشد الصالحي بذلك. هكذا استمر الحديث بين أرشد الصالحي وشقيقه المعتقل في نفس المكان عن طريق المعتقل عبد الجليل وبالاعتماد على لغة الإشارة. فهو يتوسط بإيصال ما يريد قوله أحدهم إلى الآخر طوال النهار وبحذر تام خشية أن يكشفه أحد السجانين وحراس المعتقل أمرهم فيعرضون إلى أبشع أنواع التعذيب. بعد مرور شهرين من تواجدهم في سجن المخزن تم إرسالهم إلى المحكمة بتاريخ 31/6/1980 لغرض للمداولة.

المحاكمة

بعد المداولة المحاكمة الصورية من قبل القاضي المجرم مسلم الجبوري الذي كان قد أعد التهم الموجهة إليهم مسبقاًدون تحقق ودراية ومنطق. يقول السيد عبد الجليل أن الحاكم الجائر هذا قد وجه إليّ تهمة مفادها قيامي بطلب كمية من السلاح من الجمهورية التركية. أجابه السيد عبد الجليل بأنه لم يكن قد تجاوز العشرون عاماً من عمره فأي سلاح هذا الذي طلبته من تركيا وبأية صفة؟ وكيف لدولة أن تتعامل مع شاب بهذا العمر؟!. عبد الجليل لم يكن جينها قد سافر إلى خارج العراق وقد التحق بالخدمة العسكرية بعد أن كان يعمل في محل والده. من الواضح جداً أن المحكمة حينها كانت تبحث عن حجة للنيل من الشباب التركمان، وإلاّ فليس من الحكمة أن نصدق قيام شاب بهذا العمر الصغير بمخاطبة دولة وطلب السلاح منها!.

هكذا فإن التهم قد حصرت في مادتين أحداها المادة 156 الخاصة بالتنظيمات الخارجية والارتباط بها والمادة الثانية هي 158 الخاصة بالتجسس لصالح تركيا. وبتاريخ 1 تموز  1980 الموافق يوم الثلاثاء تم إصدار الحكم الجائر بحقالسيد عبد الجليل فاتح بالحبس المؤبد وفق المادتين السابقين الجائرتين.

 

رفقائه في المحاكمة

وقف عبد الجليل مع أصدقائه الأخرين أمام هذه المحكمة التي لم تكن تخشى الله في عباده. منهم من حكم بالإعدامومنهم من حكم بالمؤبد ومنهم من حكم بأخف من ذلك. أثناء هذه المحاكمة الظالمة حكم على 8 منهم بالإعدام شنقاً حتى الموت و4 منهم بالحبس المؤبد و3 منهم بالحبس لمدة 10 سنوات و7 منهم حكم بالحبس لمدة 7 سنوات.

أما المحكومون بالإعدام فهم:

1. عز الدين جليل أحمد (عزالدين ترزى)

2. صلاح عبد الله عبد الرحمن

3. رشدي رشاد فتح الله (رشدي الصالحي)

4. صلاح نجم الخفاف

5. محسن علي (محسن قلعه لى)

6. حميد رحمن

7. صالح عبد الله (غيابيا بعد أن تمكن من الإفلات من قبضة النظام)

8. ظاهر محمد حبيب (غيابيا وقد تمكن هو الآخر من الفرار)

ضرب القاضي بفردة حذاء

عبد الجليل فاتح يروي واقعة حدثت أمام عينيه. وهو واقف يستمع إلى الأحكام العرفية التي صدرت من هذه المكمة الجائرة وبعد الاستماع إلى هذه الأحكام القاسية غير المعتمدة على الأدلة والاثباتات وغير المستندة على أدنى مقوما العدالة. وبعد أن سمع عزالدين جليل قرارات الحكم هذه وخصوصاً حكم الاعدام الصادر بحقه هو وأصدقائه، قام بإخراج فردة حذائه ورميها باتجاه الحاكم المأجور عديم الضمير هذا. بعد أن أصاب الحذاء وجه الحاكم الشيطانيسارع الحرس الموجود في الأطراف باتجاهنا للسيطرة علينا ومنع تكرار الحالة من محكوم آخر.

بعد حادثة رمي الحذاء من قبل عزالدين جليل المحكوم بالإعدام باتجاه الحاكم الجائر، تم منع المساجين من ارتداء الأحذية في غرف التحقيق وصالات المحاكمة تحسباً منوقوع حادثة مشابهة وقيام محكوم آخر بضرب القاضي بفردة حذاء.

البدء برحلة العشرين سنة

وهكذا انتهت المحاكمة الصورية وتم الحكم على عبد الجليل فاتح عثمان بتهم مزيفة لم يقترفها قط. كان شاباً حين أودع في سجن أبو غريب وفي قسم الأحكام الثقيلة (السياسيين). ليس له بد إلاّ أن يتأقلم مع حياته الجديدة خلف هذه القضبان الحديدية. أصبح لديه علاقات حميدة مع من معه من المحكومين الأخيرين من شتى الشرائح المحكومين بمختلف التهم السياسية.

في السنة الأولى كانت الزيارات مراقبة من قبل أجهزة الأمن. حيث كان الزائر له يخضع لتحقق الهوية لدى هذه الأجهزة القمعية التي كانت تسأل عن كل شيء حتى درجة القرابة مع السجين عبد الجليل.

طوال العشرون سنة كانت أفراد العائلة دائمي التردد على هذا السجن وكانوا على تواصل مستمر معه. اخوته جميعا كانوا يجلبون له الطعام ويقومون بتوفير الأموال له لسد احتياجاته داخل السجن. ولو لا هذا التواصل والاهتمام العائلي لهلك عبد الجليل داخل السجن على حد تعبيره.

لغرض قضاء الوقت والتمتع ببعض التسلية داخل السجن، قانوا بتأسيس فريق كرة قدم بقيادة السجين صباح عزيز وموفق ترزى وناظم عسكر. كانوا يقضون الأوقات المخصصة لهم في اللعب والتشمس ومن ثم العودة من جديد إلى غرف السجن وانتظار الفرج.

إعدام إثنان من أشقائه

بعد أن حكم ظلماً وزوراً بالحبس المؤبد، ليس من المعقولأن يقوم اخوانه بالخدمة في الجيش الصدامي. ليس منالعقل أن يكونوا رهن إشارة النظام الذي هدر حياة أخيهموجعله قابعاً في زنزانات مظلمة لا يميز فيها الليل من النهار. يصعب عليهم الانخراط في جيش تابع لنظام لا يقيم لحقوقالإنسان أدنى اعتبار وقد أضر بأخيهم وبهم بعد أن أخذمنهم شقيقهم وهو في عز شبابه.

من هذا المنطلق والشعور بالغبن تحت المظلمة التي تعرضوالها، قرر أشقاء عبد الجليل فاتح السجين مدى الحياة بعدمالخدمة في الجيش العراقي. إنه رد فعل طبيعي لما آلت إليهأحوالهم وما عانوه من عذاب وهم يجهلون مصير أخيهم. إنهم يتجشمون عناء السفر كل أسبوع إلى بغداد لزيارةأخيهم في سجن أبو غريب لتفقده وتزويده بالمال والغداء. همدائمو القلق على صحة أخيهم وهو وحيد في سجنه يعيشأيامه بصعوبة بالغة تحت سطوة أقسى سلطة ونظام. إنهمقلقون عليه من برد الشتاء ولهيب الصيف بعد أن كان شاباًيافعاً يعيش مدللاً في كنف أبيه وتحت عطف أمه. وإنأرادوا ذلك إلاّ أن قلوبهم تأبى خدمة هكذا نظام متسلط،فكان القرار هو العزوف عن الالتحاق لأداء الخدمة العسكريةتحت راية البعث الحاكم الذي أضر بهم وبعائلتهم وبشعبهمأيّما ضرر.  

لكن النظام الغاشم الباغي المتمادي في ظلم شعبه كانلهم بالمرصاد هذه المرة أيضاً. فقد تم إلقاء القبض عليهمبتهمة التخلف عن أداء الخدمة العسكرية وإقتيادهم إلىمعتقلات الموت المشؤومة التي كان جلاوزة النظام يتفنن فيهابالقتل. حتى علمت العائلة فيما بعد أن اثنان من أبنائها وهمخليل ومظفر قد تم القاء القبض عليهم ومن ثم إعدامهم رمياًبالرصاص وذلك يوم الأحد الموافق 27 أيلول 1987 وقدأردوهم شهداء في عليين.  

صعق عبد الجليل بعد أن علم باستشهاد أشقائه الشباب. وما له أن يفعل والاغلاء الحديدة تكبل يداه سوى أن يفوضأمره إلى الله لينتقم من الذين شتتوا لم شمله مع عائلتهوحرموه من حنان أمه وعطف أبيه، وها هم اليوم يقتلون اثنانمن أعز الناس على قلبه المجروح. هكذا ارتكب النظام البائدجريمة دموية أخرى بحق السجين عبد الجليل ليوجع قلبه منجديد. جريمة يندى لها جبين الانسانية وفعلة تحولت فيمابعد إلى وصمة عار على جبين ذاك النظام المتعسف ومنأيده وسار على دربه.  

 لم يكتفي النظام العفلقي المجرم بهذا القدر فحسب، حتىجاءوا إلى والده يجبرونه على دفع ثمن الاطلاقات الناريةالتي صوبت باتجاه أبنائه خليل ومظفر. ممارسة في غايةالسخرية ومنتهى الإساءة إلى حرمة البشر وانتقاص لكرامةالانسان الذي فضله الله على كثير مما خلق.

في زنزانة انفرادية

في عام 1991 وخلال أحداث حرب الخليج الأولى، حيثاجتمعت 33 دولة على العراق لإخراجه من الكويت. تقدمتقوات التحالف بقيادة القوات الامريكية باتجاه العاصمةبغداد من عدة اتجاهات وبغطاء جوي عجيب، حتى أصبحالنظام الصدامي في عداد السقوط.

كان المساجين يستمعون إلى الأخبار من خلال القناةالتلفزيونية العراقية. إلاّ أن الأخبار الملفقة والكاذبة والتيتمثل صوت النظام القمعي كانت مظللة وبعيدة عن الحقيقةوالواقع. المحكومين تمكنوا من ادخال مذياع صغير إلى غرفالزنزانة يستمعون من خلالها إلى الأخبار المقدمة منالاذاعات العالمية مثل صوت أمريكا وإذاعة موتي كارلو التيتبث من العاصمة الفرنسية باريس. من خلال هذا المذياعالصغير كانوا يحاولون معرفة ما يدور من حولهم. لكنالاستماع إلى الراديو في هذا السجن لم يكن متاحاً لهم، بلكان يشكل خطراً كبيراً على مصيرهم في حال كشفها منقبل حراس السجن. لدرء أي خطر محتمل، يحرص المساجينعلى إخفاء جهاز الراديو الصغير عن الأنظار وخفض صوته. حيث كان أحد المحكومين وهو السجين قاسم مهاوييستلقي على فراشه ويغطي كل جسده ويستمع إلى المذياعمن تحت الأغطية. والسجين قاسم مهاوي هو عقيد مهندسمن أهالي مدينة بغداد كان قد حكم عليه بتهمة ارتباطهبحزب الدعوة الإسلامية.

خلال استماع قاسم مهاوي للأخبار من هذا المذياعالصغير يقوم السجناء الأخرون بتأمين الحماية له. أحدهميراقب الممرات والآخر يراقب الأبواب. فإذا رصد أحدهم تقربافراد حرس السجن من المكان كان يقوم بإطلاق ايعاز(انهي) ليعلم قاسم مهاوي أن الخطر قادم ويقوم بإطفاءومن ثم إخفاء المذياع الصغير وهكذا دواليك في مساء كليوم جديد. بعد أن يستمع السجين قاسم مهاوي للأخبارالعالمية يخرج إليهم من تحت دثاره ويجلس معهم ويقوم بنقلومن ثم تحليل الأخبار مع بقية المساجين الذين ينتظرون منهذلك بلهفة بالغة.

تفاقمت الأمور وأصبح النظام في محك خطير بعد أنوصلت القوات الدولية وعلى رأسها القوات الأمريكية إلىمشارف العاصمة بغداد. إنهم يتأملون خيراً من تقدم هذهالقوات عسى أن تتمكن من إسقاط النظام وتحريرهم بعدإخراجهم من هذا المكان والخلاص من هذا العقاب. عبدالجليل يقول إننا كنا نتوقع قدوم القوات الأمريكية إلينامباشرة وقيامهم بإنزال الجنود بواسطة الطائرات المروحيةوسط سجن أبو غريب وإنهم سوف يقومون بإخلاء السجناءالسياسيين باعتبارهم معارضة للنظام الذي جاءوا من أجلالقضاء عليه. كلما علموا من خلال المذياع تقدم هذه القوات،كلما زاد الأمل في نفوسهم بالخروج من هذا السجن. لكنأحلامهم قد تبددت بعد ذلك وفقدوا الأمل بالقوات الأمريكيةوعلموا أن هذه القوات ما جاءت إلاّ لخدمة مصالحها. غضبالمحكومين لهذا الأمر غضباً شديداً ولم يتمالك عبد الجليلنفسه حتى قام بشتم الرئيس العراقي المقبور صدام حسينالذي كان ظاهراً في شاشة التلفاز عندها.  

يبدو أن أحدهم قام بالوشاية وأخبر الجلادين بما قام بهعبد الجليل، حتى جاء حراس السجن يقصدونه. تم اقتيادهإلى زنزانة انفرادية بجدران سوداء قاتمة بتهمة التهجم علىالطاغية. وهكذا أبقي عليه في هذه الزنزانة الانفرادية مدة 3 أشهر تحت أنواع التعذيب والضرب المبرح حتى احمرتجسده وذاق أصنافاً من الويلات. وما أن خرج من هذهالزنزانة إلاّ وكان عموم جسده قد اصطبغ باللون البنفسجيوهو لا يقدر على الوقوف على قدميه وكان يسير متكأ علىمن يبادر لمساعدته.

بعد عشرون سنة

انقضت العشرون سنة بما تحمله من مأسي كثيرة تحملها عبد الجليل فاتح بشق الأنفس. لم تكن هذه السنوات العجاف سهلة كما هي عند كتابتها واختصارها في بعض الأسطر وحصرها في صفحات. سنوات من الظلم والتعذيب والاذلال وإهانة النفس البشرية. سنوات في غرف مظلمة وجلادين وناس لا تحمل في قلبها ذرة من الرحمة والشفقة. سنوات طويلة بعيداً عن الأهل والأحبة محروماً من حنان الأم والأب في مواجهة قدر مأساوي بقلب جلد. حرمان من كل الأحلام الوردية ودفن الأمنيات والتطلعات والأمل في مستقبل زاهر الذي يحلم به كل شاب في مقتبل عمره. الأمر الأصعب من كل هذا أن يتحمل المرء وزر أمر لم يرتكبه.

انقضت السنوات العشرون وعبد الجليل فاتح يستعد لرؤية النور من جديد. رزم أمتعه متأهباً للخروج إلى حيث الحياة والعودة إلى بيت أبيه الذي قد اشتاق إليه كثيراً. إنه يتهيأ للرجوع إلى مدينته وأصدقائه الذين فارقهم دون وداع. يحمل في قلبه الحنين والشوق لتلك الأزقة التي شهدت طفولته ونشأته الأولى. إنه يقف الآن على منجم من الذكريات المليئة بالحكايات والمفارقات التي شاهدها في هذه السنوات العشرون.

ما أن جاء التأريخ الذي انتهت فيه فترة محكوميته حتى سارع إلى مطالبة إدارة السجن بإتمام معاملته لغرض إخلاء سبيله. لكن إدارة السجن أخبرته بأن الأمر يتطلب الحصول على موافقة المخابرات العراقية التي جاءت به إلى هذا المكان.

ليس له حيلة إلاّ أن يعود إلى عنبر السجن من جديد وينتظر موافقة أجهزة المخابرات العراقية القمعية. أصبح في دوامة صعبة وقد لوحظ عليه ذلك من قبل الموجودين معه والذين أخبروه بأن المخابرات العراقية سوف تشترط عليه العمل معهم وإنهم سيقومون بتجنيده قبل الافراج عنه. بدأت هواجسه تكبر لا سيما وهو يستذكر ما حدث للمحكوم اللواء عبد العزيز العقيلي وزير الدفاع العراقي السابق الذي كان معه في بداية حياته في السجن. حيث اقتادته المخابرات العراقية وعرضوا عليه مطالبهم التي رفضها جملة وتفصيلاً،حتى عادوا به إلى سجنه من جديد ودس السم في طعامه حتى مرض مرضاً شديداً. يقول عبد الجليل بأنه كان يخدم اللواء العقيلي ويحترم كبر سنه وهو الرجل الذي كان صاحب مبادئ وقيم يتمسك بها. في هذه الأثناء يستذكر عبد الجليل ما حل بوزير الدفاع السابق اللواء عبد العزيز العقيلي والذي توفي أمام أنظاره. إنه أمام خيارات صعبة وفي حال رفض طلب السلطة فسيكون مصيره الموت بحقنة مسمومة أو دس حبوب هلوسة في طعامه ليكون مجنوناً لا يعي ما يفعل بهدف منعه من التحدث عما شاهده في سجون النظام من ممارسات تنافي حقوق الإنسان. لكنه فوض أمره إلى الله حتى استجاب السماء لدعائه وتم إطلاق سراحه بعد 17 يوما ليكون قد مكث في الزنادين عشرين سنة وسبعة عشر يوماً.  

   

يوم الخميس الموافق 30/12/1999

التأريخ الذي فيه وطأة قدمه عالم الحرية وتحرر من الأغلال الحديدة التي كبلته طوال تلك السنين. لكن الأمر ليس بالسهل فلم يترك إلى الحرية تماماً هذه المرة أيضاً. حيث سلمته إدارة السجن كتاباً موجهاً إلى مديرية الأمن في مدينته كركوك. بعد أسبوع من وصول عبد الجليل إلى بيته في كركوك اضطر إلى مراجعة دائرة الأمن هذه. فتم تحويله إلى دائرة أمن المنصور وأجبر على الحضور في هذه الدائرة يومياً والتوقيع لديهم. بعد أشهر عدة تم تحويله إلى أمن الكرامة ليقوم بمراجعتهم على الدوام ويخضع للتحقيق عندهم. يقول عبد الجليل إنهم كانوا يسألونني عن كل تحركاتي وسفراتي وخاصةً فيما إذا كنت قد سافرت إلى أربيل أم لا. كان تحت المراقبة المركزة من قبل أجهزة النظام القمعية وبقي الأمر على حاله حتى زوال النظام الدكتاتوري الدموي في 10 نيسان 2003.

بعد خروجه من السجن المشؤوم عمل عبد الجليل في محل أخيه لبيع المواد الإنشائية في مركز كركوك خلف بناية المحكةليؤمن قوت يومه. لقي صعوبة ملحوظة حين أراد الزواج وتكوين أسرة. حيث كانت الناس تخشى من تزويج ابنتهم منه وهو الرجل الملاحق من قبل جلاوزة النظام الذي لا يرحم. كانوا حذرين من الاقتراب والاقتران به، فقد تكون المخابرات العراقية ما زالت تراقبه وقد تأخذه على حين غرة وآنّى يشاؤون وهذا ليس بغريب عليهم. حتى وفقه الله من الزواج من شقيقة رفيقه في السجن الشهيد عزالدين ترزى والذي ضرب القاضي بفردة حذائه بعد النطق بحكم الإعدام بحقه.

رزق عبد الجليل بثلاث أولاد هم كل من مظفر الطالب في المرحلة الرابعة في كلية القانون بجامعة كركوك ويوسف الطالب في المرحلة الثانية في كلية التربية قسم اللغة الإنكليزية بجامعة كركوك والصغير هو أرسلان الطالب في الصف الخامس الابتدائي.

يعيش مع عائلته في بيته بمدينة كركوك وهو مثقل بتعب تلك السنين العجاف. أرسل من قبل جمعية السجناء السياسيين إلى الديار المقدسة لأداء مناسك العمرة في عام 2005.

يجلس اليوم في بيته يراقب الأحداث وتستذكر بين الحين والآخر ما حل به في السجون التي قضى فيها أيام شابه. حيث كان بعمر 21 سنة حين حكم عليه بالمؤبد ليخرج من السجن وهو قد تجاوز الأربعون من عمره.

الاستنتاجات

في خضم البحث والتقصي عن قصص الماضي والمظالم التي عاشها التركمان، وبعد الجلوس مع الحاج عبد الجليل توصلت استنتجت الآتي:

1. الحكومات المتعاقبة على إدارة العراق تتعامل مع التركمان تعاملاً خاصاً. للتركمان في العراق قوانين تختلف عن المكونات الأخرى. والتركمان تحت رقابة مشددة وهم مستهدفون من قبل القوانين الأحكام الجائرة. هذا الاستنتاج معزز بحادثة رواها لي عبد الجليل في سياق حديثه. يقول بأن القوانين العراقية تسمح للمحكوم بالإعدام العيش لمدة45  يوماً دون أن ينفذ بحقه الحكم. خلال هذه الأيام الخمس والأربعون من الممكن أن تدارس ومراجعة قرار الحكم من جديد ومن المحتمل أيضاً تدخل جهات وتوسطها من أجل تخفيف الحكم إلى الحبس المؤبد أو إلى عقوبة أخف. يقول أن العديد من المحكومين بالإعدام (من غير التركمان) قد تم تخفيف حكم الإعدام عنهم وتم تنزيل الحكم إلى الحبس المؤبد أو الحبس لمدة عشرة سنوات.

إلاّ أن الشباب التركمان الثمانية الذين كانوا معه من الذين تم إصدار حكم الإعدام بحقهم وهم: عزالدين جليل أحمد وصلاح عبد الله عبد الرحمن وصلاح نجم الخفاف ومحسن علي وحميد عبد الله ورشدي رشاد فتح الله وصالح عبد الله قد تم تنفيذ حكم الإعدام بحقهم خلال 9 أيام فقط. هكذا فإن الشباب التركمان لم يترك لهم فرصة الحياة وتم تنفيذ الحكم بهم مباشرة بعد محاكتهم الصورية بخلاف المعمول به مع المحكومين الأخرين.

2. الكثير من المحكومين التركمان لم يتم تسليط الضوء عليهم ولم يعرف بهم ولم يعطى لهم المكانة التي يستحقونها أسوة بالمحكومين الأخرين.

3. استنتاجي الثالث يؤكد لي المقولة القائلة:

الثورة يصنعها الشرفاء و يقودها الشجعان ثم يسرقهاالجبناء ويستفيد منها الأوغاد

Notice: Undefined index: tie_hide_author in /customers/d/7/f/afkarhura.com/httpd.www/wp-content/themes/sahifa/single.php on line 92 Notice: Trying to access array offset on value of type null in /customers/d/7/f/afkarhura.com/httpd.www/wp-content/themes/sahifa/single.php on line 92

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات