الرئيسية / المقالات السياسية / قرن كامل على التغيير الديمغرافي في كركوك

قرن كامل على التغيير الديمغرافي في كركوك

شهد العراق محاولات تغيير ديمغرافي قسرية خلال المائة الأعوام الماضية ومستمرة، قامت بها الدولة نفسها، تحديدا في محافظة كركوك، لأسباب تتعلق بطبيعة الصراع القومي على هذه المدينة العراقية ذات الغالبية التركمانية عبر تاريخها. فقد شهدت محافظة كركوك تحولات ديمغرافية واسعة نتيجة الهجرات ذات الطبيعة الاقتصادية أو الاجتماعية في السنوات التي أعقبت اكتشاف النفط فيها عام 1927، ومشاريع الري الواسعة التي شهدتها المحافظة في الخمسينيات، ومقارنة سريعة بين الإحصاء السكاني الذي قامت به لجنة الموصل التي شكلتها عصبة الأمم المتحدة في العام 1925، والإحصاءات السكانية اللاحقة في الأعوام 1947 و 1957 و 1965، تكشف حجم التغيير الديموغرافي الذي طال المدينة/ المحافظة. ولكن السبعينيات والثمانينيات شهدت محاولات «تعريب» قسرية قامت بها الدولة، وذلك عبر إحداث تغيير ديمغرافي منهجي عبر التعيينات الحكومية من جهة (تعيين موظفين عرب من محافظات أخرى في المدينة/ المحافظة وتوطينهم فيها مع عوائلهم)، أو عبر تقديم مغريات مادية للعرب من المحافظات الاخرى للانتقال اليها، أو عبر ما سُمي بتصحيح القومية وذلك عبر تسجيل أعداد من التركمان والاقلبة الكردية على أنهم عرب، وأخيرا عبر إجراءات طرد منهجي للتركمان والاكراد من المدينة/ المحافظة بطرق مختلفة.
في قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية الذي صدر في العام 2004، والذي كان بمثابة الدستور المؤقت، كان ثمة إشارة صريحة إلى موضوع التغيير الديمغرافي القسري تحت عبارة «Altering the demographic character» التي ترجمت في النسخة العربية من القانون إلى «تغيير الوضع السكاني» الذي أجراه نظام البعث في مناطق معينة من العراق (المادة 58/ أ)، وإلى ضرورة أن تقوم الحكومة الانتقالية بمعالجة ذلك من خلال خطوات محددة (إعادة الأفراد الذين نقلوا إلى هذه المناطق إلى مناطقهم الأصلية، وإعادة من أجبروا على الهجرة من هذه المناطق، وإلغاء القرارات المتعلقة بتصحيح القومية).
ولكن ما لم يدر بخلد الأمريكان الذين كتبوا قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية، هو إمكانية أن يشهد العراق تغييرات ديمغرافية قسرية على أساس الهوية القومية أو المذهبية بعد نيسان 2003، وبوتيرة أوسع مما جرى سابقا، وبتواطؤ صريح من الدولة نفسها، أو من يمثلها، إن لم يكن بتدخل مباشر منهما، وكان الهدف الرئيسي تصنيع خطوط تماس قومية ومذهبية، والتأسيس لمناطق صافية طائفيا!
فقد شهدت مدينة/ محافظة كركوك تغييرا ديمغرافية مضادا بعد العام 2003، لا علاقة له بالإجراءات التي نص عليها قانون إدارة الدولة، والتي تبناها الدستور العراقي لعام 2005 بالكامل. وكان أول عمل قامت به القوات الدخيلة القادمة من جبال شمال العراق من البيشمركة الكردية عند دخولها المدينة هو حرق سجلات النفوس في المدينة، أي السجلات المتعلقة بالسكان، والتي وصفها جلال الطالباني يومها بانها «سجلات بعثية عفلقية»، وبالتالي لم نكن امام تغيير في الذهنيات والسلوك ، بقدر ما كنا أمام تغيير في الأدوار، من هيمنة الحكومة المركزية وشرعنة ادعاءاتها وإجراءاتها بالقوة، إلى هيمنة الحزبين الكرديين العنصريين ومن ثم شرعنة ادعاءاتهما وإجراءاتهما بالقوة! وقامت حكومة ما تسمى بالاقليم الكردي في شمال العراق بجلب أكراد من إيران وسوريا إلى المحافظة وضواحيها وتسجيل نفوسهم فبها قسرا والهيمنة على أروقة دوائر الدولة بحيث تحول نفوس المحافظة من ٧٠٠ آلف ذات غالبية تركمانية في عام ٢٠٠٣ إلى مليون ونصف في ٢٠٢١ ذات غالبية نازحة ، كل هذه العمليات التغيير الديمغرافي (تكريد المدينة) حصلت تحت مرآة ومباركة ودعم امريكا وحلفاؤهاوالصهيونية العالمية لإضعاف المنطقة وخلق الفوضى التاريخي والقومي للصراعات المستقبلية.
إن مظاهر التغيير الديمغرافي القسري، الصريحة والضمنية، لا يمكن لها أن تنتج استقرارا حقيقيا، حتى وإن أنتجت هدوءا مؤقتا وهشا وخادعا. كما أنها ستبقى مقدمة أساسية في انتاج للتطرف والعداوة بين سكان المدينة العراقية المناخية عبر تاريخها التركماني العريق والاصيل.

مركز الإعلام lالتركماني العراقي

Notice: Undefined index: tie_hide_author in /customers/d/7/f/afkarhura.com/httpd.www/wp-content/themes/sahifa/single.php on line 92 Notice: Trying to access array offset on value of type null in /customers/d/7/f/afkarhura.com/httpd.www/wp-content/themes/sahifa/single.php on line 92

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات