الرئيسية / بحوث ودراسات / منطقة جنوب القوقاز، يضيف سخونة إلى أجواء الحذر والتوتر المتنامية في روسيا. بقلم الدكتور مختار فاتح بي ديلي *طبيب-باحث في الشأن التركي وأوراسيا

منطقة جنوب القوقاز، يضيف سخونة إلى أجواء الحذر والتوتر المتنامية في روسيا. بقلم الدكتور مختار فاتح بي ديلي *طبيب-باحث في الشأن التركي وأوراسيا

.

دخلت منطقة آسيا الوسطى ودول جنوب القوقاز ومعها بقية الدول المستقلة بتقسيماتها الجديدة بما فيها روسيا الاتحادية في أوضاع اقتصادية و سياسيه صعبه . فقد سبق انهيار اتحاد السوفيتي وتفتت خريطتة الجغرافية وتدني الحالة الاقتصادية بعد ذلك وتحول الدول التي كانت تحت علم واحد إلى دول متصارعة سياسيا, ومتحاربة ,أحيانا مع تصفية لحسابات قديمة فيما بينها أو سعيا لمكانة جديدة .

فروسيا دخلت في حروب ما زالت رحاها تدور, وخاضت أذربيجان حروب مع أرمينيا من اجل قره باغ , وهكذا فعلت جورجيا مع ابخازيا وأوسيتا الجنوبية. بمعنى ان انهيار الاتحاد السوفيتي لم يجر المنطقة الى هدوء وانما صاحبه الى انفجار كبير في المنطقة . من هذه البيئة نظرت الدول المتشاطئه لثروة بحر قزوين وبالذات النفط والغاز باهتمام بالغ وسارعت إلى اقتناص الفرصة لترميم اقتصادىا المنهار , مما أدى إلى تضارب مصالحها,إلى حد الاقتتال من اجلها.

وبينما أصبح الوضع هكذا, سارعت قوى دوليه طامعة للنفوذ إلى المنطقة للاستغلال ماحدث ,تبلور خريطة جديدة لصراع بين طرفين: إقليمي يمثل الدول الخمس المتشاطئه , وخارجي يتمثل بالولايات المتحدة االمريكيه وأوربا . روسيا فتشبثت منذ عام 1991من اجل الهيمنة على الجمهوريات السابقة , والعمل دون تحول استقلالها إلى استقلال حقيقي يجعل كل منها صاحبة القرار في علاقاتها الدولية بما يمكن أن يفتح الباب واسعا لالختراق الامني الغربي للمنطقة.

ضمن هذه المتغيرات السياسية والعوامل الجيوسياسيه في منطقة جنوب القوقاز وفي اوراسيا وضمن المجال الحيوي لروسيا , ومن هذه البيئة تظهر مشكلة البحث في حقيقة الدور الذي تقوم به أرمينيا وكذلك جورجيا أذربيجان الواقعة الذي يشكل محيط جيبوليتيكي عالمي مه يعج بأجندات متباينة, لالمتداد في مساحتة المكانية التي أضحت مصدرا” للقوه كما تنعكس المشكلة بطبيعة الدور الروسي والأمريكي في منطقة جنوب القوقاز االستراتيجية جغرافيا .

في السنوات الاخيرة لم يكن موسكو راضياً عن علاقاتها مع رئيس الوزراء الأرمني نيكول باشينيان وكذلك علاقة باشينيان مع باكو حيث ان موسكو ترى أن باشينيان الذي تسلّم الحكم في العام 2018 عقب ثورة شعبية هو مجرّد ناشط سياسي يفتقر إلى الخبرة العسكرية، ما حدا به إلى اتّخاذ موقف متشدّد حول قضايا المنطقة لتعزيز صورته في وطنه.
وفي ظل غياب أفق أي حل دبلوماسي أو حوار بنّاء مع أرمينيا، بدأت حرب قره باغ الثانية مع أذربيجان. إضافةً إلى ذلك، ليست القيادة الروسية غافلةً عن دور تركيا المتعاظم وسعيها إلى نفوذ الى منطقة القوقاز واسيا الوسطى عبر أذربيجان وهذا مارايناه من خلال عبر مساعدتها في استعادة السيطرة على إقليم ناغورني-قره باغ بعد قراية 30 عاما من الاحتلال الارميني لتلك المنطقة.
من المؤكد جدا تعرف موسكو أن تنامي النفوذ التركي بالاخص والحلف الاطلسي بشكل عام في جنوب القوقاز أمر لا مفر منه في المدى المنظور. حيث ان الفراغ الذي خلّفه تفكك الاتحاد السوفياتي السابق وابتعاد كلٍّ من أذربيجان وأرمينيا وجورجيا عن الحضن الروسي، أفسحا الطريق والمجال أمام لاعبين دوليين آخرين للدخول إلى منطقة جنوب القوقاز الاستراتيجية.

طبعا موسكو لم تعتقد أبداً أن نفوذها سيبقى من دون منازع إلى الأبد في المنطقة ، لذا تنظر إلى تنامي النفوذ التركي خاصة والحلف الاطلسي عامة على أنه شر لا بد منه.
وترى روسيا أنها قادرة على توجيهه طالما أنها تملك خطة خاصة للمنطقة تبقي قنوات الحوار الاستراتيجي مفتوحة مع أنقرة، وطالما أن الوجود التركي يقابله ثقل موازن يتمثّل في الجهود التي يبذلها أفرقاء إقليميون ودوليون، من ضمنهم إيران والغرب والصين في المستقبل.

طلعا كانت أرمينيا هي الطرف الخاسر في معركة قره باغ الثانية مع اذربيجان نظراً إلى التفاوت في القدرات العسكرية بين باكو ويريفان، تبدو العودة إلى الوضع الذي كان قائماً قبل الحرب مستحيلة، ولا سيما أن حكومة نيكول باشينيان، التي تواجه غضباً شعبياً عارماً بسبب نتائج الصراع، تلفظ أنفاسها الأخيرة.
يمكن أيضاً إدراج الدول الغربية على قائمة الخاسرين في المنطقة. فالولايات المتحدة وفرنسا وقوى غربية أخرى كانت غائبة إلى حدّ كبير عن نتائج النزاع، كما أن جهودها الدبلوماسية الرامية إلى إحلال السلام، أو على الأقل إلى وقف إطلاق النار، فشلت فشلاً ذريعاً.

ولكن في الفترة الاخيرة نجد ان الولايات المتحدة الامريكية ومن اجل تقوية موقعها في منطقة جنوب القوقاز مرة أخرى يدخل على خط الدعم للحلفاء القدماء في جورجيا من خلال دعم رئيس وزراء الجورجي السابق ساكاشفيلي على الساحة الجورجية.

في الوقت نفسه ، نجد في رسالة دعم امريكية إلى رئيس وزراء ارمينيا باشنيان في يوم الاستقلال جمهورية ارمينيا منذ فترة قصيرة وذلك لإدخال أرمينيا في دائرة نفوذها وتقويتها من جديد، حيث أعرب الجانب الامريكي عن دعمه للإصلاحات رئيس وزراء الارميني التي من شأنها تعزيز موقفه وتحسين صورته في الشارع الارميني.

طبعا من المفيد انتظار رسالة ادارة البيت الابيض الى اذربيجان في مناسبة يوم الجمهورية في ١٨ اكتوبر القادم.
ستسمح لنا الرسائل الواردة الى دول جنوب القوقاز في تحديد الخط الرئيسي للعلاقات التي تريدها الولايات المتحدة إقامتها مع دول القوقاز الثلاثه.
ويعد التحالف الجديد بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الامريكية مهمًا للولايات المتحدة من حيث تعزيز السيطرة على الطرق البحرية المتجه الى الصين.

أرست النتيجة التفاوضية التي توسّطت فيها روسيا لحل النزاع في ناغورني قره باغ، الأساس لتحوّل جيوسياسي كبير في جنوب القوقاز، وقد جعلها الدور الذي لعبته في إنهاء الصراع العسكري في العام الماضي . سمح ذلك لروسيا بتقويض قدرة ودور الولايات المتحدة ودول الغربية على استخدام هذه المنطقة وإضرام النار في محيطها بهدف تهيئة الظروف لتوسيع الناتو باتجاه الشرق، كما تعتبر السيطرة على المنطقة أمراً بالغ الأهمية بالنسبة للولايات المتحدة، لأنها برزت كواحدة من أنسب الطرق لتوسيع مبادرة الحزام والطريق الصينية إلى أوروبا.

فالولايات المتحدة، من خلال ترسيخ مكانتها هنا مع دول جنوب القوقاز أرمينيا وجورجيا أذربيجان هدفها في الدرجة الثانية هو توسيع النفوذ الأمريكي، وتريد السيطرة على شريان مهمّ من مبادرة الحزام والطريق، إلاّ أن جنوب القوقاز، تحت تأثير النفوذ السياسي الروسي والاستثمار الاقتصادي الصيني، يتحوّل بسرعة إلى إقليم يبعد أميالاً عن متناول مخالب الولايات المتحدة.

أخيراً، في ظل تدهور العلاقات الروسية-الأميركية، و الصينية-الأميركية تبدو آفاق التوصّل إلى تسوية دولية بعيدة للغاية في المنطقة ، هذا ما يزعزع أوضاع المنطقة برمتها، ويتركها ساحة مشرَّعة أمام المخاطر المُحدقة، لذلك فإن الاتفاقات السياسية والاقتصادية التي يتمّ إبرامها وتنفيذها ستقلّل بشكل كبير من مساحة الصراع من أجل الظهور مرة أخرى وزعزعة الاستقرار في المنطقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.