الرئيسية / المقالات السياسية / من ذكريات الخدمة العسكرية بقلم: محمد هاشم الصالحي

من ذكريات الخدمة العسكرية بقلم: محمد هاشم الصالحي

مرتضى جندي مدفعي من أهالي مدينة البصرة. كان من مواليد 1978 ومن المواليد الملتحقين إلى الخدمة العسكرية للتو. التقيت به في الكتيبة المدفعية المتوسطة/53 (ك.م.مت/53) العائدة إلى مدفعية الفرقة الثانية في الفليق الأول. الكتيبة كانت متجحفلة في وآدي متصحر غير ذي زرع بين مدينة قره عنجير وجم جمال شمال شرق مدينة كركوك. لكون مرتضى يقرأ ويكتب تم جلبه من البطرية الثانية إلى قلم مقر الكتيبة وبدأ بالعمل معي في المكتب. كان مرتضى بعمر 18 عاماً وطريقه إلى مدينة البصرة كان طويلاً. إلى جانب بعد البصرة عن موقع مقر الكتيبة، فإن المواصلات في حينها هي الأخرى كانت صعبة للغاية. الأمر الذي أعاق ذات مرة التحاق مرتضى إلى المعسكر في اليوم المحدد لإنتهاء إجازته الرسمية.

التأريخ كان في عام 1996 حيث الحصار الجائر على الشعب العراقي والرواتب القليلة والتي لا تكفي إلاّ ليوم أو ليومين ولا تفي بأي شيء. الجوع كان مستشرياً بين الناس والحياة العسكرية كانت مذلة للغاية. الحسرة لقطعة خبز من صمون حجري عسكري مدور كانت تثقل كاهلنا، أو قدح شاي حار محترق من جولة متفحمة نتيجة انبعاث الغازات السامة المشوبة بالدخان الأسود في غرفة رئيس عرفاء الوحدة. ولا أنسى انتظارنا لمقطورة الماء لنحصل منها ما يسد ظمأنا خاصة في أيام شهر آب اللهاب.

وصل مرتضى إلى الكتيبة بعد الضياء الأخير وفي ساعات متأخرة من المساء. جاءت الوقوعات إلى قلم الكتيبة الذي أعمل فيه، والنقيب أمر البطرية كان قد قدمه غائباً لذاك اليوم. أشفقت على حال مرتضى لعلمي بسبب تأخره عن الإلتحاق لساعات فقط. أخبرت مرتضى بالأمر ليتدارك الموضوع عسى أن يصفح عنه السيد آمر البطرية. طلب مني مرتضى التحدث إلى آمر البطرية وتوضيح الأسباب عسى أن يقدر الموقف ويتساهل معه ويعفو عن مرتضى الذي يستحق العفو لأدبه العالي.

ترجلت على ضوء القمر الذي كان يبدد ظلام تلك الليلة، قاصداً غرفة السيد آمر البطرية على التلة المقابلة لقلم الوحدة. كان يجلس وحيداً في جو شبه شاعري، على ضوء الإنارة البديلة المتكونة من قنينة زجاجية لشراب (توسيرام) المعالج للسعال والمملوء بالنفط الأبيض مع فتيلة تحترق لتنير الأجواء بعض الشيء.

جالست السيد الآمر وبعد الحديث العام دخلت في الموضوع. قلت له بأن مرتضى لا يستحق العقوبة لمجرد تأخره لساعات ولأسباب معروفة. لن الاقي صعوبة في شرح المعوقات لا سيما وأن آمر البطرية هو الآخر من مدينة بغداد ويعي جيداً وضع الطرق والمواصلات.

رغم رجائي رفض السيد النقيب شطب غياب مرتضى من أوامر القسم الثاني لهذا اليوم. بدأت ألح عليه حتى سئمت من التحدث وأيست من الحصول على الرد الإيجابي. أخيراً وقبل أن أهم الخروج من غرفته قلت له: أمسح غياب مرتضى ليكون لك الأجر والثواب.

ابتسم السيد النقيب ورد عليّ بالآتي: أعطيني الأجر وخللي الثواب لك.

لم أفهم القصد حتى بدأ يوضح لي الآمر: الثواب لك والأجر لي.

يعني بذلك أن الثواب عند الله سيكون لي على اعتبار أن تدخلي بالموضوع سيكون السبب في شطب غياب مرتضى ونفعه، لكنه يريد الأجر المادي لنفسه مقابل ذلك. فهمت قصده وقلت له اتفقنا شريطة أن أخبر مرتضى بالأمر.

رجعت إلى قلم الوحدة وعرضت المطلب على مرتضى الذي كان ينتظر عودتي، والذي وافق على الشرط وعلى مضض. وفعلاً تم دفع الراتب الشهري لمرتضى البالغ 4 الف دينار عراقي فقط لا غير أي ما يعادل 2,5 دولار أمريكي شهرياً إلى السيد النقيب آمر البطرية.

 هكذا تكللت محاولاتنا بالنجاح واستفدنا نحن الثلاثة. حيث مرتضى الذي تخلص من العقاب وأنا حصلت على الثواب وقبض السيد الآمر الأجر. وعالساتر هلهل شاجور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.