الرئيسية / المقالات السياسية / ماذا يفعل الشعور بالانتماء والمواطنة في الشعوب؟

ماذا يفعل الشعور بالانتماء والمواطنة في الشعوب؟

من استقراء واقع الشعوب التي حققت اشواطا من النجاح في المجالات كافة وبذلك احتلت مراتب متقدمة ضمن التصنيف العالمي للدول وفق المعايير المعمول بها دوليا
ومراجعة لأسباب النهوض في هذه البلدان نجد وجود رغبة وارادة حقيقية لصناع القرار في البلد للتغير نحو الاحسن والأفضل مع وجود رؤية واضحة للمستقبل وفق مبدأ يكاد ان يكون من البديهيات التي لا يختلف عليها العوام فضلا عن العقلاء وهو الشعور بالانتماء والمواطنة ومن مقتضياته ولواز مه الذي لا ينفك عنه حب البلد وساكنيه والذي يستحيل معه مجرد التفكير في خطوة تأتي بالضرر عليه وعلى ابنائه والسعي الحثيث والجاد وبذل الغالي والنفيس لخدمة البلد وأبنائه وبكل الوسائل والاساليب و ضمن الموارد المادية والبشرية المتاحة.
و الشواهد الماثلة للعيان كثيرة منها على سبيل المثال لا الحصر:
سنغافورة : الجزيرة التي لا تتجاوز مساحتها ٢٧٧٦ ميلا مربعا وعدد سكانها لا تتعدى خمسة مليون والنصف نسمة.
لم تكن النهضة فيها وليدة يوم وليلة بل كانت نتائج جهود مضنية من قبل رجل الدولة السنغافوري “لي كوان يو” فقد ظهر أمام الإعلام وهو يجهش بالبكاء بعد قرار ماليزيا بالانفصال عن جزيرة سنغافورة التي كانت جزء منها في عام 1965م.
استطاع “لي كوان يو” صانع القرار الراغب في التغير المنتمي لبلده والمحب لأهله أن يبني نهضة اقتصادية وأن يجعل بلده من أهم البلدان كما كان يحلم،
لم يكن لديه سوى شعب فقير متخلف وحكومة تعيش على الفساد الإداري والمالي والاخلاقي بلد تعمه الرشاوي ونهب المال العام وخلافات ونزاعات عرقية مجتمعية بين أكثر من ثلاثة أعراق صينيون وملاويين وهنود وسكان شرق آسيا كان يحلم بأن ينقل سنغافورة من دول العالم الثالث إلى العالم الأول. بنى وطناً للمواطن وليس وطناً له حيث كانت الجزيرة مجرد قرية للصيادين تخلو من الموارد الطبيعية

بدأ “لي كوان يو” يغير في أنظمة بلده وسن قوانين جديده شيئا فشيئا ووضع بذلك حدا للفساد الاداري والمالي لحكومته وشعبه، استطاع “لي كوان يو” أن يبني نهضة اقتصادية وأن يجعل بلده من أهم بلدان العالم كما كان يحلم حيث اعتمدت سياسته في الاستثمار في الإنسان السنغافوري نفسه من خلال التعليم وتكثيف البعثات العلمية للخارج وتطوير المستوى الانساني والصناعي بمجمله شقت سنغافورة طريقها معتمدة على الثروة البشرية وذوي الكفاءات، رأى “لي كوان يو” أن لا نهضة اقتصادية إلا في استثمار الفرد ذاته وتأهيله فوضع مناهج علمية حديثة وركز على بناء المعلم فهو القاعدة الأساسية لبناء الأجيال القادمة.
و استطاع ان يخمد كل تلك النزاعات العرقية داخل البلد حيث وحد اللغة وجعل أولويات الوطن هي الأولى وطبقها على جميع الطبقات الدينية والعرقية وأن الوطن للجميع.
وفي غضون ثلاث عقود من حكمه
أين وصلت تلك الجزيرة؟ أصبحت الآن رابع أهم مركز مالي في العالم وخامس أغنى دول العالم من حيث احتياطات العملة الصعبة، ثالث أكبر مصدر للعملة الأجنبية حيث يصل إلى سنغافورة خمسة مليون ونصف سائح سنوياً، بلغ معدل الدخل الفردي من الناتج القومي الإجمالي أربعة وستون ألف دولار في عام 2013م لتحل سنغافورة الترتيب الثالث على مستوى العالم. معدل البطالة لا يصل فيها إلى ثلاثة بالمائة وتعتبر المركز المالي والتكنولوجي الأول في المنطقة. أنظف مدينة في العالم جميلة المنظر طيبة الهواء فناطحات السحاب والمباني ذات الأشكال الهندسية الحديثة والراقية وشموخ النخيل والأشجار والحدائق الخضراء الجميلة تجعل منها جنة في الأرض.

وما ينطبق على بلد ينطبق على باقي البلدان والشعوب والمؤسسات وحتى الافراد
ووفق هذة المعايير من وجود رغبة وارادة حقيقية لصناع القرار في البلد للتغيير المبنى على حب البلد وأبنائه وترجمتها إلى مشاريع من خلال تبني:
١.قلع الفساد من جذوره بسن القوانين الصارمة وفرض العقوبات الرادعة والقاسية.
٢.الاستثمار في الانسان من خلال التعليم وفق المعايير العالمية وتأهيل وإعداد الكفاءات عن طريق تكثيف البعثات.
٣.حل الخلافات والنزاعات
الداخلية.
٤.تكاتف جهود المخلصين لوضع استراتيجية للبلد والمضي بتنفيذها.

وبالعودة إلى واقعنا الحالي في بلدنا الحبيب لنرى ماذا فعل صناع القرار بعد أن اسدل الستار على عهد الاستبداد والدكتاتورية ومرور اكثر من ١٧ عاما على عهد الديمقراطية بمعناها العراقي الذي ينفرد بها بلدنا الحبيب ولا تجدها في اي معجم من معاجم المصطلحات السياسية ولا في واقع الدول التي أصلتها وطبقتها.
رغم امتلاكنا للارث الديني العقائدي والتاريخ الحضاري الذي تحث على الايجابية والمبادرة والعمل والشفافية والأمانة والنزاهة والتسابق والتنافس في فعل الخير الذي تفتقر إليه الشعوب الأخرى لنرى
هل قننوا للقضاء على الفساد ام قننوا لشرعنة الفساد مع وجود الهياكل الرقابية في جميع مفاصل الدولة والتوجه الي الإقتراض الداخلي والخارجي لتأمين الرواتب فقط مع ورود اكثر من ترليون دولار الى خزينة الدولة غير معروفة أوجه الصرف.
وهل استثمر- صناع القرار في بلدنا الحبيب – في الانسان؟ بتوفير التعليم النموذجي وفق المعايير العالمية فبعد أن كان العراق سنة ١٩٧٩ في المرتبة الأولى شرق اوسطيا في التعليم أصبحنا الان خارج التصنيف الدولي عالميا مع زيادة عدد الجامعات الحكومية والاهلية في البلد، وتم ابعاد الكفاءات واسناد المناصب على معيار الولاء للأشخاص والتكتلات و تحقيق المنافع الذاتية والفئوية.

وهل تم تصفير المشاكل والقضاء على الخلافات والنزاعات الداخلية؟ بل اوغلنا في إذكاء نارها و توسيع الفجوة والهوة حتى اوصلنا الأمر إلى الاحتراب الداخلي واراقة الدماء بين الاخوة من نفس العرق والمذهب.
فمتى نثوب إلى رشدنا ويحركنا الشعور بالانتماء والمواطنة ونراجع أنفسنا فيما فعلناه باهلنا ووطننا الحبيب قبل فوات الأوان فلا يزال في الوقت متسع وفي الطاقات الموجودة خير وافر وفي الموارد التي تزخر بها بلادنا كفاية فلنشمر عن السواعد لنري ربنا و اهلنا منا ما يسرهم وتقر أعينهم.

٢٩صفر ١٤٤٢
صباح حسين اوغلو

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.