الرئيسية / بحوث ودراسات / الاختيارات المجتمعية //د.طورهان المفتي

الاختيارات المجتمعية //د.طورهان المفتي

تنتشر في كل المجتمعات حالات لأناس يحبون الفوضى و أناس فوضويين و أيضا هناك أناس خاضعين للنظم المختلفة و بعيدين عن عن اللا انتظام و هم وبطبيعة الحال يشكلون النسبة العالية من المجتمعات البشرية و الفكرية و عليه تقوم بناء المؤسسات و الدول المستقرة ، أما الحالتين الأوليتين فمختلفتين تمامًا عن الانتظام و كما ان الفوضى ليست نفسها الفوضوية و الشخصية التي تعيش في الفوضى ليست الشخصية الفوضوية .
فالفوضى هي اعلى مرتبة في انهيار الانتظام و اختفاء النظام لأي شيء موجود و الفوضوية تعني إنهاء و تفكيك راس النظام أو قيادة النظام أو إدارة النظام . و بهذه الحالة تكون الفوضى مبدأ اللا استقرار و اللا تكرار لحادثة ما أو تكرار الحادثة دون مسوغ منطقي .
الفوضوية بكل تاكيد أفضل من الفوضى حيث ان في الفوضوية هناك أنظمة صغيرة تكون باقية و يتشبث الفوضويون بها ، اي بتعبير اخر قد تكون الفوضوية في بعض أجزاءها عدم القبول بالواقع و في نفس الوقت تكون الفوضوية خاضعة لنظامها الخاص لها و لمجموعتها .
كما و يمكن ان تُعكَس الفوضوية على العلاقات الدولية حيث لا توجد مرجعية واحدة فعليًا بين الدول للركون اليها في الحالات المستعصية و على هذا الأساس تم إنشاء المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة و التي تنجح إجراءاتها تارة و تفشل تارة أخرى.
فالمجتمعات التي تزخر بالمعارضة و التعارضات الفكرية تكون بين أربعة اختيارات لا خامسة لها :
الاختيار الأول هو الوصول الى توافقات فكرية و الاتفاق على المضي قدمًا و انتاج نظام منطقي يسمع للقوى المختلفة و يجد الحلول لتقدم المجتمع طبيعيًا .
الاختيار الثاني العمل وفق مبدأ الفوضوية بان يتم تاسيس مراكز قوى لكل تجمع فكري و يتعامل و يتربص كل تجمع فكري بالتجمعات الأخرى ، طبعًا مع وجود نظم صغيرة لكل تجمع فكري على حدا تحافظ هذه النظم الصغيرة على ديمومة الانتظام .
الاختيار الثالث و هو انعدام التواصل بين التجمعات الفكرية و حتى انعدام التربص ، لتتدرج الوضع العام الى الفوضى و قد يصل الى نزاع مسلح .
الاختيار الرابع و الأخير ولادة الفوضى ضمن كل تجمع فكري داخليًا و بتعبير اخر امتزاج الفوضى و الفوضوية لتنتج الانهيار الكلي للتعامل وفق النظم مهما كانت صغيرة ، و ليبدا نزاع مسلح و فرض القوة و عمليات سلب و نهب و قتل بين الأفراد بصورة عامة للمجتمع و هي اتعس حالات المعيشة و خطورة العيش .
أين نحن من هذه الاختيارات ؟
العراق منذ تاسيسه يتأرجح بين الاختيارين الأول و الثاني بين حالة نظام منطقي و أخرى حالة الفوضوية و يكاد يكون هذا الموضوع دورية و متعاقبة لكل حقبة زمنية فالنظام الملكي السابق كان ضمن خانة الاختيار الأول و ما حصل من الانقلابات العسكرية كانت نتيجة الدخول في الاختيار الثاني ليستمر المكوث في هذه المرحلة الى الثمانينيات من القرن الماضي ( طبعًا هناك دوريات صغيرة مرحلية للتعقب بين الاختيارات في فترة زمنية معينة ). مع مجيء النظام الصدامي والذي كان نظام متطرف في عدم الاعتراف باي فلسفة ذات منحى تعايشي لإنتاج الاستقرار و الرخاء ، بالتالي نقل عدم قابلية انتاج الاختيار الأول إلى حروب عبثية و مغامرات خارجية .
بعد ٢٠٠٣ بدًا العراق بالاختيارات أعلاه تصاعديًا أي من الاختيار الرابع و بعد فترة الاختيار الثالث ليستقر العراق في الاختيارالثاني لفترة و ليعبر إلى الاختيار الأول و خاصة اثناء تشكيل الحكومات التوافقية بمشاركة الجميع و حتى قوى المعارضة. الا ان المعادلات السياسية ليست معادلات ثابتة و لا هي متكونة من ثوابت غير قابلة للتغيير لذا فان مع كل مكوث في الاختيار الأول هناك من يدفع بالبلاد إلى الاختيار الثاني و تتمثل بالتقاطعات السياسية و الفجوات الأمنية و الرؤية غير المتكاملة لمجريات الأحداث لتكون نتيجتها ظهور داعش ، مع اندحار داعش تسلق العراق إلى الاختيار الأول سريعًا جاعلا من الكثير من الإشكالات خلف ظهره و النظر الى الامام لمداواة جروحه ، و مع واقعية تثبيت المتغير و فرضية تغيير الثابت ترنح البلاد مرة أخرى بين الاختيارين الأول و الثاني لتستقر البلاد مرة اخرى في الاختيار الثاني و في بعض الأحيان كانت البلاد تنحدر خلسة إلى الاختيار الثالث .
مرة اخرى أين نحن الان ؟
البلاد الان تحاول الثبات في الاختيار الأول مرة أخرى بعد ان وضع العراق أولى خطواته في الاستقرار بعد سجال سياسي- مجتمعي عنيف ، و لتكريس البلاد في الاختيار الاول نحتاج الى تظافر جهود الجميع من النخب السياسية و من جميع الأطراف على حد سواء للوصول الى ايجاد نظام مجتمعي و عقد اجتماعي مبني على الحكم الرشيد و استثمار فرصة العراق للنهوض و استغلال موارد البلاد المختلفة لخلق فرص عمل و الاستقرار المجتمعي ليرجع العراق في نهاية المطاف الى وضعيته الدولية المعهودة له .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.