الرئيسية / المقالات السياسية / زهراء بكتاش …الفتاة التركمانية التي أحرقت نفسها ضد بطش وظلم النظام .: د. عاصف سرت توركمن

زهراء بكتاش …الفتاة التركمانية التي أحرقت نفسها ضد بطش وظلم النظام .: د. عاصف سرت توركمن

عشقت زهراء وطنها وشعبها ومدينتها كركوك ، كانت هادئة الطبع ، تحب الناس ومتعلقة باصالتها وجذورها العميقة التي تشدها الى أرضها ووطنها ومن ثم الى كركوك المدينة التي ولدت وتربت ، وفيها تاريخ أجدادها وشعبها ، والتي قدمت الاف الشهداء والضحايا

كانت زهراء بكتاش متعلقة بدينها الاسلامي ومن الفتيات الملتزمات بخط أهل البيت (عليهم السلام) ، وكانت كثيرة التساؤل عن سبب تعرض التركمان الى المآسي والويلات من قبل السلطة السابقة ، وتسأل عن الجرائم التي أرتكبت بحقهم من عمليات القتل والإبادة الجماعية والتشريد وتخريب البيوت والمساجد والحسينيات واٍجبار أهلها على الهجرة تارة الى الشمال وتارة الى الجنوب لتغيير هوية المدينة التركمانية . ولم تكن تعلم بان ألايادي ستمتد اليها يوما ما لتقطفها من حقول كركوك الخضراء .

بكتاش علي فيض الله ، والد زهراء ، كان يعمل في حقول شركة النفط في كركوك ، ولكونه تركمانيا ومن أهالي تسعين القديمة فلم يغب لحظة عن أنظار السلطة ، وقد خدم سبع وعشرين سنة قضاها في عمله بكل جد واخلاص حتى احيل للتقاعد المبكر بحجة الاسباب الصحية . فقبل بالتقاعد وجلس في داره الذي بناه بعرق جبينه وكده وتعبه طوال فترة عمله والذي ربى فيه ستة من أولاده (ولدان وأربعة بنات) ، وظن انه سيرتاح فيما تبقى له من العمر حتى وصله خبر أسر نجله عباس بكتاش أثناء الحرب العراقية الايرانية ، ولكنه حمد الله كثيرا ودعا له بالصبر حتى يفك الله أسره . وذات يوم وقفت سيارة الشرطة أمام باب بيته وطلبوا منه الحضور الى مركز شركة 1 حزيران لاستلام جثة صهره (زوج ابنته) الذي استشهد في احدى جبهات القتال ، وبعد انتهاء مراسيم الفاتحة اضطرت ابنته مع أيتامها الاربعة العيش مع والدها . وحينها بدأت الظروف المعيشية الصعبة تؤثر على إعالة هذه العائلة الكبيرة ، وعليه اضطر الاب والجد بكتاش فيض الله بالبحث عن العمل لان المرتب التقاعدي كان لا يكفي لسد الرمق .

وذات يوم دخل رجال السلطة الى بيته وسألوه عن نجله وأهانوه أمام عائلته وحاولوا ضربه ، وحاولت زهراء منعهم من ايذاء والدها المسن فنالت هي الاخرى نصيبها من الشتم والاهانات ، واقتادوا والدها الى احدى الجهات المجهولة في كركوك .

بقي بكتاش علي فيض الله في الحجز مدة طويلة ، واُبلغَ في النهاية ان نجله لم يكن أسيرا وانه انظم الى صفوف المعارضة العراقية في إيران . ومهما حاول اٍقناعهم بعدم صحة الخبر وانه بالفعل اسير حرب بدليل الرسائل التي كانت تصله عن طريق الصليب الاحمر الدولي، وان هذه الرسائل كانت تُسلم اليه عن طريق السلطات العراقية ولكنهم لم يهتموا بقوله ، واطلقوا سراحه بكفالة زمنية لجلب ابنه من ايران وتسليمه للسلطة ، والا فان عليه مغادرة كركوك والهجرة الى الشمال دون نقل أي شيئ من داره .

ومرت الايام واقتربت الفترة الممنوحة له على الانتهاء وهو لا يزال طريح الفراش، واذا بافراد السلطة قد وقفوا على الباب مرة أخرى يريدون اخراجه من منزله وتشريد عائلته التي قدمت اثنين من أبنائها فداء للوطن . وبدأت النساء بالصياح والعويل ولكنهم لم يبالوا بحرمة البيت وبكاء اليتامى الاربعة الذين قدموا والدهم قربانا لتربة وكرامة الوطن . وقامت زهراء البالغة من العمر عشرين عاما بمنع أفراد السلطة من الاعتداء على حرمة البيت وهددتهم بحرق نفسها فيما اذا لم يغادروا المكان . وباءت محاولات العائلة وافراد المنطقة بالفشل لاقناع زهراء بالعدول عن قرارها ولكنها كانت مصرة لان تكون هي الصرخة التي تقول الحق بوجه الغاصبين . وكان يوم الرابع عشر من تشرين الاول (أكتوبر) عام 1995م اخر يوم لزهراء في هذه الدنيا لتودع اهلها بعد ان احرقت نفسها احتجاجا على الظلم لتلتحق بقوافل الشهداء .

أصبحت زهراء بكتاش اسطورة من أساطير التركمان، وسيبقى هذا الاسم في ذاكرة الجميع ، ورغم استشهاد زهراء بكتاش فقد تم تنفيذ امر التهجير ، فهُجرت عائلتها الى أربيل دون السماح لهم بأخراج أي شيئ من دارهم . وفي التاسع عشر من تشرين الاول (أكتوبر) عام 1995م ، وُضِعوا جميعا في مركبة مكشوفة نقلتهم الى سيطرة كركوك/أربيل ومنها الى مدينة أربيل ، وكانت الدموع لا تفارق أعينهم وهم يلقون النظرة الاخيرة الى كركوك ، مدينتهم التي تركوها لله الواحد القهار .

ملاحظة : نشر المقال في جريدة المؤتمرالتابعة للمعارضة العراقية السابقة ، العدد 304 ص4 ، 18-24 مايس 2002م- لندن، انكلترة وفي جريدة المغترب /كندا ، العدد 400 ، ص- 2 ، 4 أيلول 2002م وفي معظم المواقع الالكترونية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.