قطط أزمير…!

شبكة الموقف العراقي

بقلم : د.حسين ابو سعود.

يقال بان هناك مدن لا تنام ، كلنا نعلم بان المدن تنام كما ينام الانسان وتستيقظ كما يفعل ذلك الانسان والحيوان ، ولكني لم اكن اسمع بان بعض المدن تدخل في سبات شتوي قد تستغرق اشهرا عديدة ، ومنها المدن النائية في البلدان الفقيرة حيث تنام عندما يغطيها الثلوج وتتوقف فيها عجلة الحياة فيقتات أهلها على ما ادخروه في الفصول الأخرى من السنة، على عكس المدن الثلجية في البلدان الغربية التي تستمر فيها الحياة كالمعتاد رغم الجليد ، وقد قيل لي بان مدينة قوشاداسي التركية الساحرة تدخل في سبات شتوي نهاية الشهر العاشر، فقلت لألحق بها قبل السبات ، فوصلت مطار ميلاس بدروم في الساعة العاشرة ليلا في بداية شهر أكتوبر ، واستغرقت الرحلة بالباص من المطار الى الفندق في مصيف قوشاداسي حوالي الساعتين ، ويقع فندق تاتليساس على تلة يجعلها تطل على البحر مباشرة ليستطيع النزيل مشاهدة حركة السفن في زرقة بحر ايجة المقابلة للسواحل اليونانية.

لم أستطع النوم في الليلة الأولى بسبب ما يسمى بتغيير الفراش وظللت اراوح بين السرير وبين الشرفة المطلة على المدينة التي نامت تماما بعد منتصف الليل في أحضان البحر مستندة على الجبال المكسوة باشجار دائمة الخضرة.

اذن انا الان في تركيا ارض العثمانيين التي عرفنا عنها منذ ايام الدراسة المبكرة ولكننا شغفنا بها أكثر بعد مسلسل حريم السلطان الشهير الذي يحكي قصة السلطان سليمان القانوني، وخفايا الحرملك، ولا أحد ينكر النجاح الهائل الذي حققه المسلسل مما دعا القائمين عليها الى انتاج جزء ثان وثالث للمسلسل وبعد ذلك بدأت شركات انتاج أخرى بإنتاج مسلسلات مشابهة منها مسلسل (ارض العثمانيين).

بدأت رحلة الاستكشاف في اليوم التالي فصحوت على جو صحو مشمس وطبيعة خلابة وبحر يمتد بزرقته بعيدا ليلتقي بزرقة السماء، ترى في شوارع المدينة أشجار الفواكه كالليمون والعنب والبرتقال وقد رأينا في أحد البيوت شجرة يتدلى منها رمانات مكتنزات حمراء ناضجة كما تتدلى الاضوية الحمراء من الثريا فتمنح النفس حالة من الانتعاش والراحة، وقد لفت نظري وجود الكثير من الكلاب الضالة في الشوارع الا انها تمتاز بكونها اليفة لا تسبب أي ازعاج للمارة.

وقد تذكرت كلاب بريطانيا ودول اوربا الغربية كيف تقضي اعمارها في بحبوحة من العيش في منازل مكيفة مزودة بكل وسائل الراحة وكل كلب بريطاني له ملف طبي يتابع من خلاله صحته والتطعيم المنتظم وغيرها، كما توجد في المدينة قطط كثيرة تظهر فجأة عندما يجلس الانسان في المطاعم المنتشرة على الشوارع والساحل طلبا لبقايا الطعام،

وبعض الكلاب لها علامات خاصة عبارة عن قطعة معدنية مثبتة على الاذن ليوحي بانها أي الكلاب محمية وتحت اشراف بلدية المدينة.

ومن الأشياء الملفتة للنظر كثرة وجود ما يسمى بالخرز المضاد للحسد وهي خرزة زرقاء عليها صورة العين ، فهي على المباني وعلى الجدران وعلى الأرض وفي المحلات حتى يشعر الزائر للمدينة بان هناك امر ما يختلف عن المدن الأخرى مثل كثرة الحسد او الايمان الزائد بالحسد والخوف من أثاره الضارة، وقد لا نستغرب لو اعتقد عوام الناس بذلك ولكن ان تعتقد الحكومة أيضا بالحسد فهو امر لا تخلو من ظرافة وغرابة، وقد شاهدنا البلدية تضع من هذه الخرز على المقاعد الاسمنتية والارصفة وغيرها ،وان هذه الخرز التي تباع في المحلات بكثرة على شكل اساور وقلائد وميداليات تستهوي النساء كثيرا حتى النساء الغربيات اللائي يكثرن في هذه المدينة ضمن الالاف المؤلفة من السياح الأجانب الذين يتقاطرون على المدينة في رحلات جوية مستمرة على مدار الساعة عن طريق مطاري بدروم وازمير حيث تعتبر هذه المدينة الوجهة المفضلة لهم لأسباب عديدة منها المناخ وجمال الطبيعة والرخص ويقال بان المدينة تتحول في اشهر الصيف الى عالم اخر يصعب وصفه من كثرة السياح والحركة والنشاط، والمدينة بشكل عام مدينة فنادق ومقاهي ومطاعم تقدم الاكلات التركية الشهية المعروفة بلذتها وتنوعها ، وهي أيضا مدينة تسوق حيث تكثر فيها الأسواق المؤقتة مثل سوق الجمعة المخصصة للفواكه والخضراوات الطازجة والاجبان القادمة من البساتين المجاورة وسوق الأربعاء المخصصة للألبسة لمختلف الاعمار من الجنسين بأسعار زهيدة نسبة الى أسعارها في الدول الاوربية.

وتوافد الغربيين على هذه المدينة تمثل الهجرة المعاكسة للبشر حيث نرى مثلا ان أهالي الهند وباكستان يتمنون الذهاب الى دول الخليج للعمل فيما يأتي امراء الخليج وأهله الى باكستان لغرض صيد الحبارى فيمكثون فيها بالأشهر في فصل الشتاء فيستفيد الأهالي من وجودهم من الناحية المادية، وان الاتراك يرغبون في الذهاب الى اوربا وخاصة المانيا لطلب الرزق ونجد بالمقابل قوافل الاوربيين يأتون الى تركيا بحثا عن خفايا وحكايا التاريخ ودفء الطقس والراحة والاستجمام وهكذا كما يقول المثل (الناس بالناس والكل بالله).

لقد ارتأيت ان اذهب في احد أيام الرحلة الى جزيرة ساموس اليونانية حيث غادرت العبّارة ميناء قوشاداسي بسعر 30 جنيه استرليني للذهاب والعودة والتي ابحرت لمدة ساعة ونصف في البحر لتصل الى ساموس، وبإجراءات بسيطة في الجوازات خرجنا الى عالم اخر وثقافة مختلفة واطعمة مختلفة علما ان الجزيرة هي اقرب للسواحل التركية منها الى اليونان حالها حال جزر الكناري التي تقع بالقرب من السواحل المغربية ولكنها تابعة إداريا لإسبانيا، و واحة البريمي التي تقع داخل أراضي دولة الامارات العربية المتحدة ولكنها تابعة لسلطنة عمان، وكم من الحروب التي جرت الويلات على الشعوب بسبب الخطوط الوهمية للحدود ، وقد وقعت حروب بين تركيا واليونان ولكن على الأرض القبرصية أدت في النهاية الى تقسيم قبرص الى قسم تركي وقسم يوناني كما حاربت ذات يوم السعودية

مع مصر ولكن على ارض اليمن وهكذا ، وان مسافة من البحر تفصل بين تركيا والجزيرة اليونانية كافية لتخلق اختلافا في الثقافة واللغة والديانة ، ويقال بان هناك قرى في البحرين تفصلها شارع واحد فقط تختلف فيما بينها في اللهجة، سبحان خالق الالسن ومنوع اللهجات والألوان .

اكررواقول بان إجراءات الجوازات في ساموس كما في قوشاداسي التركية كانت سهلة وبسيطة اذ لا سؤال ولا جواب سوى مطابقة الصورة بنظرتين احداها لصورة الجواز والثانية لوجه حامل الجواز، على عكس الدول العربية التي تنظر لكل داخل اليها وخارج بعين الشك والريبة.

لقد تعودنا على رؤية اسراب الحمام في كل مكان وعلمنا بان الحمام ذو اللون الرمادي مع خطين اسودين على الجناح هو الحمام البري الحر الطليق كما هو حمام الحرم في مكة والمدينة والمراقد المقدسة والاضرحة ولكننا مع الأسف لم نعد نراها في تلك الأماكن المقدسة بسبب مشاريع التوسعة وغيرها كما راينا اختفاء الحمام من اشهر معالم لندن وهو ساحة الطرف الاغر حيث كان الزوار يأتون اليها لالتقاط الصور التذكارية مع الحمام الذي يقف على الايدي والاكتاف لالتقاط الحب والتقاط الصور واما الحمام من الألوان الأخرى فهو الداجن الذي يهتم بتربيته المولعون بتربية الحمام في المنازل ولكن حمام ساموس يمتاز بلونه الأبيض الناصع ، جلست على ساحل الميناء والقيت ببقايا الخبز لحمامة بيضاء كانت بالقرب مني واذا بسرب من الحمام الأبيض جاء بسرعة فائقة قد تكون نتيجة لتبادل الإشارات الخفية بينها وقد لا تكون هناك إشارات وانما مجرد احاسيس ومشاعر تتولد عندها فتجتمع الى مكان الوليمة ( انما هي أمم امثالكم ) وجميل ان يشعر الطائر بالأمان فيأتي ويقترب من الناس ويمشي بين السيارات دون خوف ولا وجل من امساك او دهس وصادف وقت صلاة الظهر فلم اجد غير ارض ترابية في احد المتنزهات فعفرت جبيني في اخشع صلاة اصليها بلا سجاجيد ولكونها صلاة قصر فغمرني حالة من الخشوع والهدوء وتذكرت قوله تعالى ( منها خلقناكم وفيها نعيدكم ) ويقال بان مسجد النبي عليه الصلاة والسلام كان من التراب فتقع مساجد الانسان السبعة كلها على التراب لتدخل الى النفس الشعور بالتواضع.

وفي الساعة الخامسة عصرا حان موعد العودة ومغادرة هذه الجزيرة الهادئة ذات البيوت القديمة والازقة الضيقة عائدين الى قوشاداسي ومعنى كلمة قوشاداسي بالعربية عش الطير، وكانت لنا سفرة الى مدينة ازمير التي تبعد عن قوشاداسي مسافة ساعة وربع بالباص المريح الذي يلتزم بالوقت بشكل دقيق وملحوظ.

ينتاب الانسان الذي يزور المدينة أي مدينة لأول مرة شعور بالرهبة، وعندما دخل الباص المدينة وتوقف في محطة الباصات الذي يسمى (تيرمينال) رأيت حركة عجيبة لا تتوقف توحي بان الناس كلهم في تنقل مستمر حتى السفر الأخير وان البعض يستعجل مصيره بالانتحار كما ان هناك فئة تستعجل مصير الاخرين أيضا وبدون وجه حق فتفخخ سيارة

مثلا لكي تقتل مئتي نفس بريئة دفعة واحدة رغما عنها ، نفوس كانت تحب الحياة وترغب في العيش فيسمون ذلك جهادا يطلبون به رضا الله تعالى، وهناك أناس في المتاريس في سوريا مثلا يقنصون بعضهم بعضا ، واهل ازمير عند ساحل البحر يسترخون مع النسائم العليلة ما بين عازف لوحده وبين من ارسل صنارته وسط الماء ليصيد قوت يومه من السمك او من ينظر الى حركة المراكب المستمرة في البحر ، أقول البعض في بلدانهم يبنون للأجيال والبعض ليس لهم سوى التقاتل المستمر لحصاد الأرواح مثل سوريا والعراق ومصر واليمن وغيرها من الدول المرشحة للذبح.

ومع غروب الشمس في ازمير يتعالى صوت الاذان من المسجد الواقع وسط منطقة السنجق بصوت تركي محبب ورخيم ذو رجع حزين، الله أكبر الله أكبر فقلت كبيرا كبيرا وسبحان الله بكرة واصيلا وقال المؤذن: اشهد ان لا إله الا الله فقلت جل جلاله وعز نواله وعلا شأنه، وقال: اشهد ان محمدا رسول الله فقلت صلاة وسلاما عليك يا حبيبي يا رسول الله يا نبي الرحمة والإنسانية،

ما أجمل هذا الصوت الذي اوصله العثمانيون الى اقاصي الدنيا، نعم صوت يدخل الروح والقلب فينعشهما ويمدهما بالأيمان.

والظريف عند العودة كان يجلس الى جانبي شاب في مقتبل العمر وبيده مسبحة لم تفارقه طوال الرحلة وقد وضع سماعة يستمع من خلالها للأغاني التركية وكان الصوت مسموعا لأنه لم يكن يضعها على اذنيه وانما على رقبته فتذكرت نكتة الصديقين العربيين في أحد الملاهي حيث الخمر والنساء وهما في حالة سكر فعطس أحدهما وقال الحمد لله فشمته الثاني بقوله يرحمك الله فأجاب الأول يهدينا ويهديكم الله.

وبعد سبعة أيام من الراحة والاستجمام في أسواق المدينة وسواحلها ومرتفعاتها ومطاعمها وبين أهلها وناسها كان لزاما ان نغادر وهكذا تنتهي القصص وتصل رحلتنا الى نهايتها، وجاء صوت الإعلان بالتركية والانجليزية بما معناه: تعلن الخطوط الجوية عن اقلاع رحلتها المتجهة الى لندن وعلى المسافرين على متن هذه الرحلة التوجه الى البوابة استعدادا للصعود الى الطائرة وسفرة سعيدة.

وداعا قوشاداسي، وداعا عش الطير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات