الرئيسية / المقالات السياسية / لله وللتاريخ نكتب… زبدة تاريخ تركمان العراق // أياد يولجو

لله وللتاريخ نكتب… زبدة تاريخ تركمان العراق // أياد يولجو

العراق بلد عريق له تاريخ مميز لا يستطيع أحد أن ينكره كائنا من يكون، سمي بمهد الحضارات والرسل والأنبياء ومنبع العلوم والقوانين، مدن العلوم والحكم، وادي الرافدين وأرض الخصب والنماء، بلد الخيرات والعطاء، مدرسة التضحيات والفداء، ساحة الانتصارات وحاملة البيداء. احتضن أقواماً عديدة منهم انقرضت ومنهم من رحلت ومنهم من اختزلت ومنهم من تدوم إلى عصرنا الحاضر.

العراق بلد يتكون من قوميات عديدة ومختلفة الأجناس والأعراق واللغات والمذاهب والمعتقدات والثقافات بحكم القدم الحضاري لوادي الرافدين، والقوميات الرئيسية في العراق حسب عدد نفوسها هم العرب والأكراد والتركمان وهناك أقليات كثيرة من الأقوام العديدة (الآشور والسريان والكلدان وغيرهم) لا نتطرق إليهم في هذا المقام لضيق المقال. وبما أن الكثيرين يعلمون ويكتبون الكثير عن عرب وأكراد العراق بعددهم وعدتهم وأصواتهم إقليمياً ودولياً، نجد بأن ثالث أكبر القوميات العراقية عدداً ألا وهم التركمان قد تناست حقوقهم السياسية والاجتماعية لأسباب الداخلية والخارجية، وقليل من يكتب بمصداقية عنهم. والكتابة عن تركمان العراق ليس بأمر هين لأن كثيراً من الحقائق طمست في دهاليز التاريخ وأخفيت تحت أنقاض العصور الغابرة وبعضهم وضعت على رفوف أرشيف الماضي أو على هوامش الموسوعات.

فان أردنا أن نقيم الشعوب عند وضع ميزان التقييم فعلينا ذكر ما في كفي الميزان معاً مهما كانت حجم السلبيات والإيجابيات …

التركمان أناس انحدروا من عرق الأوغوز في أسيا الوسطى وترجع أصولهم إلى يافث بن نوح وصولاً إلى آدم (عليه السلام) ولهم صلة بأسلافهم السومرية، علما بأن المؤرخين اختلفوا في أصل الأجناس اختلافا ضئيلاً ولكن أصل التراكمة رجح إلى أوغوز خان بجانب قبائل الأويغور (تركستان الصين الشرقية) والمغول والتتار (جمهوريات السوفييت البائدة) والآزريين وأتراك بالان وقاقاووز وغيرهم. وملحمة أوغوزنامة تبين وقائع تاريخية معينة ذات علاقة بالمعتقدات التركية وطرق العيش في المجتمع التركي، وتعتبر جزءاً مهماً من الملاحم التركية الكبرى التي تمجد أعاظم الشخصيات التركية التاريخية.

لسنا هنا لسرد تاريخ التركمان العريق الذي يحتاج إلى مجلدات كثيرة، ولكن نحن نسرد زبدة تاريخ تركمان العراق ولو بشكل مبسط ومفيد ، فبقدوم التركمان إلى العراق مثل باقي الشعوب واستيطانهم فيه في الحقب التاريخية المختلفة وظروفها والى عصرنا الحالي، نقف أمام واقع ملموس لا يقبل الشك بأن تركمان العراق يعتبرون من سكان العراق العريقين ولهذا القول شواهد وأدلة من المؤرخين القدماء. وكانت لتركمان العراق إمارات وحكومات مثل الإمارة الأتابكية في الموصل (الزنكية) حكمت قرناً كاملاً (1127-1233م)، والإمارة التركمانية في أربيل حكمت 65 عاماً ( 1144-1204م )، والإمارة التركمانية في كركوك (623هـ ، 1230م) وقد سميت (الإيواقية) أو (الإيوائية) وشملت السليمانية الحالية وسهل شهرزور. أما الحكومات التركمانية في العراق: الدولة السلجوقية حكمت 76 عاماً ( 1118 – 1194م )، والدولة الجلايرية حكمت 73 عاماً ( 1338 – 1411 م )، والدولة البارانية (قرة قوينلو) حكمت 59 عاماً (1411 – 1470م)، والدولة البايندارية (آق قوينلو) حكمت 40 عاماً (1470 – 1580م)، وحتى أيام حكم الدولة الصفوية (1508 – 1534م ) والتي حكمت 26 عاماً فقط كان للتركمان حكمهم في مناطقهم، فان عام 1534م هو عام الذي قام فيه السلطان العثماني سليمان القانوني حملته على العراق، عند ذلك انتهى دور التركمان بصفتهم حكاما مباشرين في العراق بظهور العثمانيين على المسرح السياسي وتوليهم الحكم فيه وكان ذلك سبباً في اختزال دورهم في سياسة العراق لطول مدة حكم العثمانيين الذي ما استطاع أياً من الإمبراطوريات أو الحكومات أن يدوموا مثل هذه المدة الطويلة مثلما استطاع العثمانيين بقرابة 6 قرون، بل اقتصر دور التركمان على تقديم الدعم والإسناد المعنوي والمادي بمستوى معين لا يرقى إلى مستوى قيادة وإدارة الولايات في معظم الأوقات. وتفرغوا إلى الحياة المدنية بعد أن ملوا الحروب والصراعات لسنين طويلة، وأصبحت ميولهم تتجه إلى العيش الرخيّ والحياة المدنية التي اعتادوها وزاولوا الزراعة والتجارة والنجارة والصناعات اليدوية الأخرى كما استهواههم الأدب والشعر، وتلقي العلوم الدينية والدنيوية . تكاثرت نفوسهم ووصلت الى 4 ملايين حسب احصائيات منظمات التركمانية ومليونيين ونصف مليون حسب إحصائيات الرسمية. والمناطق التي يسكنها التركمان في العراق حاليا هي: كركوك، أربيل، تلعفر، الموصل، آلتون كوبري، تازه خورماتو، داقوق، طوز خورماتو، آمرلي، كفري، قره تبه، بشير، قره خان، يايجي، طوبزاوه، قزلريار، كومباتلار، بلاوه، تركلان، ليلان، خانقين، قزلرباط (السعدية)، شهربان (المقدادية)، المنصورية، داتاوه (خالص) ، جلولاء ومندلي، وغيرها من الأقضية والقرى التركمانية، وهذه حقائق لا يستطيع أي عراقي حر وشريف أن ينكرها إلا من باع عرضه وشرفه قبل أن يبيع وطنه وشعبه.

التركمان أناس عرفوا بطيبة القلب وسماحة الطبع وحسن المعاشرة وذكاء ملموس تشهد على ذلك وصولهم إلى المناصب الإدارية المرموقة والمميزة في كثير من الميادين الفنية والطبية والعلمية، إلا المناصب السياسية والحكومية الحساسة ومما لا شك أن ثمة مؤثرات وعوامل وتصورات قادتهم إلى هذا السبيل منها: الانعزال السياسي والاجتماعي، والابتعاد عن الواقعية والتمادي بالانعزالية، والتقوقع الاجتماعي والإتكالية والتعلق بأمل ولو كان هذا الأمل ضئيلاً. أصبحوا لا يتدخلون في كثير من الأمور تدبر من قبل أعدائهم بل ينتظرون إلى أن يحصل شيء حتى يتحركوا، كانوا وما زالوا هم وقود الأحداث وليسوا صانعي الأحداث، وما كانوا يستغلون الأحداث لصالح قضاياهم أو لمصالحهم السياسية والاجتماعية في كلا حقبتين الملكية والجمهورية وخير دليل على ذلك المجازر التي حصلت للتركمان مثل مجزرة التياريين (الليفي) عام 1924 ثم تلتها مجزرة كاور باغي التي حدثت يوم الثاني عشر من شهر تموز / يوليو عام 1946 ، وأصعبهم مجزرة كركوك الدامية في 14 تموز 1959م ، كانوا يعلمون بأن أعدائهم يدبرون لهم أمراً بالليل وهم نيام ويتدافقون من كل فجٍ و يرون بأن أعدائهم يشهرون على وجوههم آلات القتل والحبال ويشتمون ويهددون ويتوعدون بأنهم سوف يحتلون مدينتهم عاجلاً أم آجلاً ، بل وحددوا ذكرى مجزرة كاورباغي في 12 تموز نقطة صفر لبدأ مجزرتهم في مدينة كركوك وأشاعوا بين الناس شعارات الكراهية والتمييز، ولكن التركمان كانوا لا يعرفون الغدر وما كانوا يتوقعون من أناس ما غدروا من قبل التركمان سوف يغدرون فيهم مثلما حصلت في مجزرة كركوك التي هي وصمة عار في تاريخ العراق الحديث. والتركمان ما أعدوا شيئاً حتى للدفاع عن أنفسهم ومدينتهم ووجودهم ، بل فرحوا عندما مر يوم 12 تموز بسلام ولم يحصل شيء وظنوا بأن الوعيد والترهيب من أعدائهم ما هي الا أكاذيب وإشاعات بين الناس لصفاء قلوبهم وظنهم الحسن المفرط لغيرهم . وعندما حصلت المجزرة السوداء اندهشوا وتفاجئوا وفقدوا السيطرة على وضع المدينة الى درجة ما استطاعوا أن يعملوا شيئا سوى ترك الساحة أمام الأعداء ليعيثوا بالأرض فساداً ويقتلوا ويسحلوا! أفاضلهم ورؤسائهم ورجال المثقفين ذوي المناصب المرموقة والعوائل المعروفة في المدينة إلى أن مرت ثلاث أيام عجاف وخرج الناس من بيوتهم ومخابئهم عندما جاءت سرية من قبل الحكومة المركزية في بغداد ، وعزلوا السرايا المتمردة من العنصريين اللادينيين من بعض أكراد العراق والفوضويين المدسوسين من قبل أعداء العراق وسيطروا على الوضع وعاد إلى ما كان عليه من قبل ولكن التركمان بعظم صدمتهم ما عادوا إلى وضعهم وطبيعتهم مثل ما كانوا عليه قبل بل فقدوا الثقة في كل شيء وبعضهم فكر بترك المدينة ومنهم من هاجر وهذا ما كان يخطط به أعدائهم.

سببت المجزرة صدمة عنيفة للتركمان استمرت آثارها حتى زماننا هذا. وسرد المجزرة ذات المآسي المرعبة بشكل المبسط لا يعطي كل مفهومها ولكن كتب التاريخ العراقي دونت تلك المجزرة بأكثر تفاصيلها المقززة. ولكن ما يهمنا في هذا المقام لتقييم التركمان هو بأنهم أناس لا يحبون العنف والقتل بل هم مسالمين إلى درجة مفرطة والدليل على ذلك هو إلى الآن لا يوجد لديهم أية قوة أو مجموعة مسلحة في الساحة العراقية في الداخل أو الخارج ، حتى عندما شكل التركمان (مجموعة الانتقام) بعد مجزرة كركوك بشهور لينتقموا بأنفسهم من قتلة المجزرة بعد أن فقدوا ثقتهم من الحكومة بأن عاقبوا بعضهم في محاكم صورية وبالسجن لمدة قصيرة ثم خرجوا إلى مناصب مرموقة في الحكومة، شكلوا هذه المجموعة من أشخاص كانوا معروفين بشدتهم وقوتهم وفتوتهم وأكثرهم كانوا من الجزارين وأصحاب السوابق الذين يحبون التضارب مع الناس!،

أما بقية التركمان لا يحبون المشاكل ويتركون الأمر لله بإيمانهم الصادق لله تعالى بأنه هو المنتقم الجبار. كل الحكومات غدروا بالتركمان وخصوصا الجمهوريون والقوميون والبعثيون، وفي أيام النظام الأخير حصدوا رؤساء ونشطاء ومفكرين التركمان فردا فردا وهم جالسون في بيوتهم، ولا ننسى مجازر بشعة في تازه خورماتو وآلتون كوبري في عام 1991، ومجازر منفردة اخرى قدم التركمان نخبة من الشهداء الأبرار، وحملات النظام السابق في تصفية أعيان التركمان وقد زجّوا آلاف من المثقفين التركمان إلى السجون والمعتقلات وهرب من فر بجلده إلى المهجر.

ولهذه الأسباب تأخر التركمان في مسيرتهم الوطنية والمصيرية، وسيبقون تحت إداريات غيرهم من القوميات وربما يختزلون يوما بعد يوم بين تلك القوميات قسرا أو طوعا، إلا إذا أفاقوا من سباتهم وحسبوا حسابهم من جديد وأخذوا الدروس والعبر من الماضي ويعيدوا حساباتهم حسب مقومات الحياة السياسية والدبلوماسية العصرية ويعتمدوا على أنفسهم في ذود عن قضيتهم، وليعلموا بأن قضيتهم لا تكمن إلا بأفراد مخلصين صادقين ومعروفين بين بني جلدتهم، الذين لا يهمهم مصالح أنفسهم ولا مناصب ومراتب ولا شهرة ولا أن يبيعوا قضيتهم في محافل سوق سياسة السوداء بمصالح بلدان أخرى ولا أن يتنازلوا بأبسط شيء من حقوق شعبهم أو يتراجعوا من مبادئهم الوطنية التي وضعها أجدادهم في حــق تقرير مصيرهم.

ندعو الشعب العراقي عامة والتركمان خاصة إلى رص الصفوف ولم الشمل وتوحيد الكلمة فيما بينهم، والابتعاد عن الدعوات القومية الباطلة والاستفزازية والتركيز على إعادة الناس إلى فهم قضيتهم الأصلية، واتخاذ الحيطة والحذر من تدبيرات أعداء العراق الحر في إشعال نار الفتن بين العراقيين أو تقسيم العراق، فالعراق الحر الموحد للعراقيين ومن يحبهم ولا فضل لعربي على كردي وعلى تركماني إلا بتقوى الله تعالى وثم حب الوطن.

أياد يولجو

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات