الرئيسية / المقالات السياسية / تُركُمان فوبيا // د. جاسم أوزبياتلي 

تُركُمان فوبيا // د. جاسم أوزبياتلي 

في حُقبة الثلاثينات من القرن الماضي حلَّ وزير خارجيّة تركيا توفيق رُشدي آراس ووزير الإقتصاد التركي جلال باير مع بقية أعضاء الوفد التُركي المُرافق لهما ضيوفاً على مدينة كركوك وهُم في طريقهم إلى بغداد ومنها إلى مدينة سعد آباد الإيرانيّة لتوقيع ميثاق حلف سعد آباد الذي أرسى قواعده مُصطفى كمال أتاتورك مؤسّس الجمهوريّة التُركيّة الحديثة.

والوفد التركي فور دُخوله الأراضي العراقيّة لقي ترحيباً في كُلّ بُقعة من بقاع العراق بدءاً من موصل ووصولاً إلى كركوك وبغداد ولكن في مدينة كركوك استقبل الجماهير التُركُمانيّة الوفد التركي استقبلاً مُنقطع النظير بحيثُ اندهش أعضاء الوفد أنفسهم وكأنّهم في حُلم والمشهدُ يرويه لنا الكاتب والباحث التركي المُخضرم بلال شمشير في كتابه ”التُركُمان في العِلاقات التُركيّة – العراقيّة“ نقلاً عن مُراسل وكالة أنباء أناضول حينها قائلاً :

” استقبال أهالي كركوك للوفد التُركي فوق ما كُن نتصوّره فعند مدخل المدينة كانت تنتظرُنا ما يُقارب مائة سيارة مُزيّنة
بلاعلام والمديّنة كانت في حالة تأهُب قُصوى وشوارعها تعجُ بمسيرات الجماهير التُركمانيّة وهي ترددّ شعارات تُمجد الصداقة العراقيّة التُركية إلى جانب قارعات الطُرق المُكتضّة بالقرابين المذوبحة على شرف مَقدَم الوفد التُركي ناهيك عن أقواس الزينة في الشوارع وصوت موسيقى النشيد الوطني العراقي التي تتردد صداها في أجواء المدينة ووزير خارجيتنا آراس أقترب من القطعة العسكريّة التي سلم عليه وحيّاهم وبحرارة وبعدها توجّهنا إلى المضيفة التي خُصّصت لنا في بناية المحطة وفي الظهيرة تم دعوتنا على وليمة غداء في بيت المُتصرف

“ التُركُمان في كركوك كانوا فرحين لقيام حلف سعد آباد التُركُمان في كركوك كانوا فرحين لوقوف العراق وتركيا وإيران في جبهة واحدة ضد القوى الخارجيّة المُعاديّة التُركُمان في كركوك كانوا فرحيّن لتوجه الوفد لتوقيع ميثاق الحلف وعليه خرجوا في مسيرات وهتفوا للوفد وباركوا مسعاهم في حلفهم الجديد

ولكن عُيون نوري سعيد باشا الشوفيني وجواسيسه الساهرة فسّروا المنظر وفق أهوائهم الشخصيّة مُحاولين ضرب الجماهير التُركُمانية من خاصرتهم مُتهمين إياهم بالطُورانيّة طالبين من سيدهم سعيد باشا عدم فسح المجال أمامهم خشية من السيطرة على العراق ومقاليد أموره مرةً أخرى كما فعل أجدادهم إبّان الحكم الأموي والعباسي مما حذا بسعيد باشا العراقي بضرب الجماهير التُركُمانيّة بيد من الحديد وإلقاء القبض على أولاده الأبرار وسجنهم وبعدها أبعادهم من المؤسسات الحيويّة في الدولة العراقيّة وخاصة العسكريّة والأمنيّة والإستخباراتيّة منها تنفيذاً لمقولة إنهم أمة عسكريّة بدلاً من وضع أنواط وليس نوط شجاعة واحدة في صُدورهم على حُبهم للعراق وحُبهم للعلم العراقي وإعتزازهم لهويّتهم العراقيّة وسعيد باشا المصري لم يكن يقلُ عن نظيره العراقي في كُرهه وحقده الدفين للتُركُمان بحيثُ روى عنه قوله :

”أود أن أعرف ما هي العروق والشرايين التُركيّة والشركسيّة فىَّ لأفتحها وبذلك أتخلص من آخر نقطة من هذا الدم الممقوت“ وما أشبه اليوم بالبارحة والعراق يجتمع مرة أخرى كما في الثلاثينات في نفس الجبهة مع تركيا وإيران ونخشى معها تكرار سيناريوالسعيدين في هضم الحقوق التُركمانيّة والاعتداء على المُحرّمات والمُقدّسات التُركُمانيُة تحت ذريعة نعرفها سلفاً الا وهي تركمان فوبيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات