الرئيسية / المقالات الأدبية / قالت لي الوردة الحمراء

قالت لي الوردة الحمراء

قالت لي الوردة الحمراء التي في الأصص ،هل تنوي الخروج في مثل هذه الساعة ؟

كان سؤال الوردة التي تزين غرفتي منطقيا ومعقولا.فالساعة متأخرة .خمنت ذلك رغم إنني لم أنظر إلى الساعة .

كركوك الآن نائمة حتى النخاع.الخروج في مثل هذه الساعة غير محمودة العواقب.فمدينتي تنام مبكرة.وآخر من ينام فيها هم السكارى الذين يغادرون الحانات.

كنت مصمما على الخروج.رغم أن ذلك مغامرة بحد ذاتها،فقد تصادفني إحدى المفارز التي تنشط في مثل هذا الوقت ،وقد تدخل معي في سين وجيم .وربما تقتادني لأقل شبهة إلى اقرب مخفر حتى يقتنعوا إنني بشر مثل سائر خلق الله ،ولست بخطر على أمن المدينة وسلامتها.

رغم كل ذلك كنت مصمما على الخروج ،فقد كان الدافع عاصفا وقويا ،وكأن ثمة يد أو قوة خفية تدفعني إلى ذلك ..لبست ملابسي على عجل .ألقيت نظرة عاجلة على وجهي.قبل خروجي أطفأت سيكارتي في المنفضة .

قالت لي المرآة : إلى أين تريد الذهاب في مثل هذه الساعة من الليل ؟

قلت : لدي موعد مع بطل قصتي .

قالت المرآة : أي قصة ؟

ـ القصة الجديدة التي أنوي كتابتها .

قلبت المرآة شفتيها مستغربة.لم أبال باعتراضها ،فهي مجرد مرآة في غرفتي في نهاية الأمر.لا أدري منذ متى وهي أمامي أتأملها عدة مرات في اليوم.لم يكن يهمني رأيها.خرجت.

في الخارج كانت السماء في أبهى صورها .نجوم مطرزة كاللآلئ .نسيم يهب من الجنات التي تجري من تحتها الأنهار.شارع صامت أخرس.نوافذ أغلقت عينيها وراحت في سبات ليلي عميق.

كنت وحيدا في الشارع.أسير دون أدنى شعور بالريبة خشية المفارز الليلية.كنت أعيش مدينتي حقا .كانت الأرصفة تنظر إلي بحنو.وربما كانت تتساءل ” لقد اعتدنا أن نراك وأنت تعود نشوانا من خمرة أبي نؤاس كل ليلة ..لكنك الليلة نشوان دون خمر..ما السر يا ترى ؟ ظلت الأرصفة تتناقل بخبث هذا التساؤل بينها.لم أبال أيضا .بل كنت أشعر بالحبور لثرثرة الأرصفة السرية .ومما زاد في حبوري أن أكون أنا موضوع هذه الثرثرة الليلية.

كانت البيوت تترى أمامي مثل خيالات.كنت أمشي ثابت الخطى نحو ذلك البيت الذي تقودني قدماي إليه.لم أكن أعرف إلى أين أسير بالضبط .وأي دار أبتغي .لم يكن لدي أدنى فكرة عن الدار الذي أقصده.شاهدتني مجموعة من الكلاب السائبة التي تبحث في برميل النفايات عن خبزها اليومي. لم تأبه بي ولم أبه لها لكن أحد الكلاب نظر إلي بتوجس ،فنهرها البقية.

قال أكثرهم ضخامة محذرا زميله : إياك أن تؤذيه! إنني أعرفه فهو يمر من هنا كل ليلة.هو لا يريد بنا شرا ..

وفعلا لم أبغ شرا لا بالكلاب ولا بأي مخلوق من مخلوقات الله حتى الآن. كنت أمشي في حال سبيلي في أزقة مدينتي ،وعلى الأرصفة في ليل بهيج تحت سماء مطرزة بنجوم كاللأليء.

فجأة توقفت عند أحد الأبواب.كان ثمة ضوء ينفذ من النافذة،فيضيء اكبر مساحة من الرصيف .مددت يدي لأضغط على الجرس لكن الباب فتح.اطل علي وجه امرأة رقيقة الملامح.رحبت بي بحرارة قائلة :

ـأهلا وسهلا بك ..لقد تأخرت قليلا . لا يهم ..تفضل إن زوجي بانتظارك.

دخلت إلى الممر دون تردد،رغم إنني لم أره هذه السيدة من قبل في حياتي.كما لم أر هذا البيت الفسيح المطل على الشارع من قبل.لم أشغل نفسي في إيجاد الرد على تساؤلاتي،لأنني رأيت رجلا منشرح الأسارير يقبل نحوي مرحبا :

ـ أهلا أهلا يا أستاذ تفضل تفضل ..لنجلس قليلا .

جلست .أخذت أحدق في الغرفة.ثمة إيوان مطرز بالأقمشة المشجرة،وستارة من القطيفة الخضراء ،ولوحة غورنيكا لبيكاسو.

تدخلت زوجته بوجهها الباسم

ـ لقد نام أولادي ،لكن زوجي ظل ينتظرك..وفي الحقيقة هو ينتظرك منذ أيام .هل تشرب فنجانا من القهوة التركية ؟

ـ لو سمحت .

كان وجه الرجل بشوشا مثل زوجته.ولقد أحسست أمام الاستقبال الدافئ من قبل عائلة لم التق بها ،ولم أتعرف عليها من قبل بأنني لست غريبا عنها.فربما أكون قد تعرفت عليها في مناسبة ما .صممت أن أصارح الرجل اللطيف بذلك.سألته وزوجته تضع فنجان القهوة أمامي..

ـ عذرا لتطفلي يا سيدي هل سبق وان التقينا معا ؟

أطلق الرجل ضحكة مجلجلة في هذا الليل الصامت حتى خشيت أن يستيقظ أطفاله .بينما اكتفت زوجته بالابتسامة،وبدت وكأنها تعاتبني بنظراتها على سذاجة سؤالي.

قال الرجل بعد أن انتهى من نوبة الضحك التي انتابته :

ـ هل نسيت يا سيدي بأنني بطل قصتك الجديدة ؟!

بدوت كمن يفيق من نوم عميق.حدقت في وجهه طويلا واكتفيت بالقول :

ـ إذن هو أنت من كنت أبحث عنه منذ أيام طويلة.

ضحك الرجل ثانية ثم قال :

ـ عذرا لإدهاشك .. أنا بطل قصتك الجديدة .كنت أحس أنك لا بد أن تأتي في يوم ما لزيارتي.ثمة حدس داخلي في أعماقي كان ينبهني إنك لمحال آت إلى هنا مهما طال الزمن..وها قد حللت ضيفا علينا .

تركتنا زوجته وذهبت إلى غرفة أخرى.اغلب الظن أنها ذهبت للنوم فالوقت متأخر ولا بد أن تنهض مبكرة لتعد أولادها قبل ذهابهم إلى المدرسة .

ـ لا تشعر بالحرج يا سيدي فالبيت بيتك .

في الحقيقة أشعر بالخوار ؟اجل كنت منطلقا ومتلهفا للوصول إلى هذا البيت.إذن كان سبب كل هذا الانطلاق والحماس الداخليين ،لأنني ذاهب لأزور بطل قصتي في بيته .كل ذلك جميل ومبهر .جميل أن يلتقي الإنسان ببطل قصته مثل لقاء الرب بمخلوقاته. لكن المشكلة إنني أجهل ماذا علي أن أفعله بعد اللقاء والتعارف في بيت غريب بالنسبة لي ،وفي مثل هذا الوقت المتأخر!

خمن بطل قصتي حيرتي الحقيقية ،فرمى لي بطوق النجاة .ابتسم نصف ابتسامة وهو يسألني بخبث:

ـ أراك في حيرة يا سيدي ؟ ما الأمر ؟ صارحني رجاء .

صممت أن اكشف عن دواخلي له ،وان أشرح له أسباب حيرتي.قلت له :

ـ صدقني إنني سعيد بلقائي معك باعتبارك بطل قصتي الجديدة ..لكن المشكلة هي : ماذا سنفعل بعد التعارف وفي مثل هذا الوقت ؟

ضحك بطل قصتي ضحكة مجلجلة .ورغم إنني عبوس ومقطب الجبين عادة ،لكن بطل قصتي على العكس مني منطلق ،مرح ،وبشوش بل كما يبدو متفائل في الحياة .قال لي :

ـ سنذهب معا إلى حانة الأحلام السعيدة .

استغربت من اقتراحه.حانة في كركوك التي تنام مبكرة في مثل هذه الساعات المجهولة من الليل !..بدا عليه وكأنه قرأ السؤال من نظراتي لذلك قال دون أن ينتظر السؤال مني.

ـ يبدو انك لم تسمع بها ! ما أجمل اسمها ،حانة الأحلام السعيدة ,

لم أطق صبرا .صممت على مصارحته بجهلي الفاضح .بل كنت مصمما أن لا أترك له المجال لكي يتسلى بجهلي.فانا أعرف بمدينتي ليست فيها حانة بهذا الاسم.كما أن الحانات تغلق في ساعة محددة. قلت له :

ـ هل تسخر مني ؟! هل هناك حانة مفتوحة في هذه الساعة المتأخرة ؟ كما إنني لم اسمع بهذه الحانة التي تدعي وجودها .

أحسست انه يبتسم بسخرية مني ،ومن جهلي .قال بلهجة واثقة :

ـ صدقني يا سيدي هنالك حانة اسمها (حانة الأحلام السعيدة ) وهي مفتوحة حتى ظهور أول خيوط الفجر ..

ازدادت علامات الاستفهام في ذاكرتي .يبدو أن بطل قصتي هذا اخرق .يزعم مالا يعرفه.وددت أن أجاريه لأكشف كذبه .قلت له :

ـ أين تقع هذه الحانة التي لم اسمع بها حتى الآن ؟

قال بلهجة واثقة :

ـ إنها تقع في منطقة (شاطرلو) قرب الطاحونة .

أيقنت تماما أنه يكذب ،فأنا أعرف هذه المنطقة جيدا .. وليس قرب ساقية الطاحونة التي تهدر مياهها هديرا ، حانة بهذا الاسم . بل ليس هناك حانة على الإطلاق ..هنالك فقط كنيسة كاثوليكية في إحدى أزقاتها . رأيته يقف وهو يمد يده إلي .

ـ يبدو انك لا تصدقني يا سيدي ؟! ..هيا بنا إذن لترى بعينيك ..ثم هل نسيت إن حوادث القصة تدور هناك ؟

نهضت بدوري وخرجنا معا .

في الحقيقة لم أكن ادري كيف تمكن بطل قصتي من قراءة أفكاري ،بل ومعرفة المكان الذي ستدور فيه أحداث القصة . ولست أبالغ لو قلت لكم إنني لم أفكر إطلاقا بمكان القصة ولا بزمانه .كل ما كنت أشعر به ،هو أن ثمة شخص ينتظرني في زقاق ما ،في بيت ما في مدينتي كركوك ،وأن علي أن أذهب لكي أتعرف عليه . فليس من اللياقة أن أجعله ينتظرني لفترة أطول. لكنني لم أختر له دورا في قصة معينة . كانت ثمة رغبة في داخلي كالعادة لكتابة قصة جديدة ،لكن أحداثها لم تكن قد تبلورت في ذهني بعد .

كنا اثنين تحت سماء كركوك المطرزة بثريات من النجوم ،نسير في ليل غريب وصامت.كنت أسمع وقع أقدامنا مضخمة مئات المرات.

كان بطل قصتي يقودوني إلى عالم لم اسمع به .لكنني لم أجد بدا من مرافقته .كانت الكلاب لا تزال تبحث في النفايات عن كفافها اليومي .

بدأ خرير مياه الطاحونة يصل أذني .إذن اقتربنا من المكان .الكنيسة الكاثوليكية غارقة في سباتها الليلي.الأيقونات نائمة ،والمسيح نائم في حضن أمه .وكان الناقوس يستعجل الصباح كي ينادي المؤمنين للصلاة .

كانت مياه الطاحونة تحدث ضجيجا في الليل الغارق في الهدوء .وفجأة رأيت بناية تشع منها الأضواء . قال بطل قصتي :

ـ هل رأيت يا سيدي ..هذه هي حانة الأحلام السعيدة ؟

كانت ثمة حركة أمام باب الحانة التي لم أرها في حياتي . هل أحلم ؟ منذ متى وهذه الحانة قائمة هنا ؟ ..وكيف لم أرها طوال هذه السنين ،وقد قضيت طفولتي أمر كل يوم من هذا الطريق إلى مدرستي ؟

ربت بطل قصتي على كتفي .وصلنا إلى باب الحانة المضاءة بالأضواء الساطعة.استرعى انتباهي وقوف امرأة باهرة الجمال أمام الحانة . نظرت إلينا بإلحاح .لم يترك بطل قصتي فرصة سؤاله .بدا وكأنه يقرأ أفكاري .

فجأة وعلى غير انتظار ،استيقظت من الجو السحري الهاديء الباهر الذي كنت أعيشه برفقة بطل قصتي على صوت سيارة عسكرية تقف أمامنا . التفت بحيرة إليه بدا لي وجهه في تلك الأثناء غريبا ،مجردا من كل ملامحه الإنسانية ،وفتح باب السيارة .نزل منها مسلحان يرتديان الملابس العسكرية. ثم تبعهما أخر برتبة عالية .تعانق الرجل مع بطل قصتي بين دهشتي واستغرابي . أحسست أن كل أضواء المدينة الساطعة التي كانت ترافق جولتنا السحرية قد اختفت فجأة ،واسترجعت مدينتي وجهها الكالح المهموم.قال له العسكري :

ـ هل أنت متأكد يا أبو (قائد) أنه هو ؟

ابتسم بطل قصتي بخبث :

ـ تستطيع أن تتأكد ،انه أمامك؟

صاح بي العسكري بغلظة:

ـ هويتك ؟

لم يتأخر وهو يلقي بنظرته المعتادة على الارتياب في كل شيء.

ـ أخيرا وقعت في قبضتنا يا بطل ! ..سنعلمك في جحرك كيف تكتب المناشير والبيانات !

صرخت بأعلى صوتي ،وكأنني أريد لمدينتي أن تسمعني :

ـ أنا هنا للقاء بطل قصتي ،لكتابة قصة جديدة !

ضحك بطل قصتي ضحكة فيها كل خبث العالم وشروره ،وهو يقول لي :

ـألم تقل لي يا سيدي في بيتنا انك لا تعرف ماذا سننفعل بعد التعارف في مثل هذا الوقت؟ ألا ترى أن قصتك اكتملت ؟ ستذهب يا سيدي إلى (حانة الأحلام السعيدة ) ،ستذهب إليها حقا !

ضحك العسكري ضحكة داعرة :

ـ لعنك الله يا أبو قائد .. حقا انه اسم جميل (حانة الأحلام السعيدة )!

انطلقت بي السيارة بينما بقي بطل قصتي ينظر إلي بدون عينين.

اختفت أضواء الحانة الساطعة التي كنت على مقربة منها فجأة ، لم أر إلا عتمة كالحة ،كظلام دار السينما بعد انتهاء العرض. لم أعد أسمع إلا خرير مياه الطاحونة المتعبة .

كانت الأيقونات نائمة في الكنيسة الكاثوليكية الغارقة في سباتها الليلي. ،والمسيح نائم في حضن أمه .وكان الناقوس يستعجل الصباح !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات