الرئيسية / المقالات السياسية / ماذا استفاد العراق من كردستان؟

ماذا استفاد العراق من كردستان؟

وجود كردستان في جسد الدولة العراقية كان هو السبب الابرز وراء حالة التمزق التي يعيشها النسيج العراقي اليوم.

مر 92 عاما على انضمام كردستان الى العراق، ففي العام 1925 اجري استفتاء صوري لمجموعة من شيوخ الاقطاعيات في لواء الموصل وقرروا الانضمام الى العراق وليس البقاء مع تركيا.

طوال هذا القرن (تقريبا) من الزمان يبرز السؤال: ماذا استفاد العراق من ضم منطقة كردستان، عسكريا واقتصاديا واجتماعيا، وبماذا تضرر؟

هذا السؤال قد يهمله البعض، في خضم الشد حول احقية الاستفتاء والاستقلال لكردستان، رغم انه بدون الاجابة عليه يبقى راي المحلل السياسي والمتابع المتمعن بالاحداث ناقصا.

عمليا ضم كردستان ايام الانتداب البريطاني كان يعني وضع لغم موقت في جسد الدولة العراقية الفتية انذاك، ففي كردستان كانت هنالك نواة جيش وطني اسمه “البيشمركة” تاسست في العام 1917 بقيادة الملك محمود الحفيد، قبل تاسيس الدولة وقبل تاسيس الجيش العراقي.

لذلك كان من المتوقع نشوب حروب استقلال، خصوصا وان الحرب الاولى بدأت بين الكرد والاستعمار البريطاني في العام 1919 قبل تاسيس الدولة العراقية بعامين، مما يعني وجود تجربة قتالية، واستعداد نفسي عند القادة والشعب والجيش الكردي لمقاتلة العراق قبل تاسيسه.

لذلك فقد شكل وجود كردستان في جسد الدولة العراقية صداعا عسكريا مزمنا، لم تشفَ منه الدولة العراقية الى هذه اللحظة. وظل العراق يعاني من ضعف في بناء منظومته الوطنية المتكاملة، ومن تشتت قواه وطاقته وتركيزه، على مدى ما يربو على هذا القرن من عمره.

وكان لذلك تبعات سلبية كبيرة على بناء علاقات متكافئة مع جاريه الجديدين، ايران وتركيا، وعلى دوره في الاشتراك عسكريا في قضايا العرب القومية مثل فلسطين والاسكندرونة والجزر الخليجية، بل وحتى على تحرير منطقة عربستان الى الجنوب من العراق، بسبب ضعفه ونخوره من الداخل.

هذا عسكريا، اما اقتصاديا فقد كان لمحاولات تعريب كردستان واستيعابها قسرا في جسد المجتمع العراقي خسائر اقتصادية، لا تقل عن الخسائر العسكرية. فقد كانت ثروات كردستان التي تذهب لخزينة الحكومة في بغداد بالكاد تغطي الميزانية العسكرية وتكلفة مشروع التعريب.

في سبعينيات القرن الماضي، ومن اجل تعريب مدينة كركوك وحدها، كانت الحكومة مجبرة على تقديم مزايا ومغريات للعوائل العربية التي تقبل النزوح لهذه المدينة على شكل منح تبلغ 30 الف دولار للعائلة الواحدة، مع توفير سكن وعمل وتهيئة مرافق الحياة الاخرى لكي تكون بمستوى الاغراء الكافي للوافدين. وكان ذلك مكلفا، اقتصاديا، وثقيلا لدرجة ان الحكومة قد اضطرت فيما بعد لايقافه، بعد خسائر وعبء غير مبرر على الميزانية.

ومع فشل مشروع تعريب كركوك، اضطر العراق الى تهجير مئات الالاف من العوائل من المدن الكردية خصوصا في الشريط الشرقي الممتد من خانقين الى جنوب قضاء بدرة في واسط، مما يعني ازالة قرى زراعية من الوجود وتخفيض المستوى الاداري، مثل عدم تحويل خانقين الى محافظة، رغم ان هذه المدينة التي شهدت اولى مشاريع الصناعة النفطية في العراق كانت على الدوام اكبر من المدن الاخرى التي تحولت الى محافظات، مثل تكريت على سبيل المثال.

وتم انزال المستوى الاداري لقضاء مندلي الى ناحية بسبب تهجير سكانها، وتم الغاء ناحية زرباطية وتحويلها الى قرية، وتبع ذلك الغاء وجود قرى من الخارطة. ويمكن معرفة مقدار الضرر الاقتصادي اذا عرفنا ان هذه المناطق هي من اخصب المناطق الزراعية، واوفرها مياها، ومساحتها تفوق مساحة فلسطين المحتلة، التي تصدر الحمضيات للعالم.

اجتماعيا، فشل العراق في بناء المجتمع القومي الموحد، او الامة العراقية، وكان سببه الاول هو وجود قومية بحجم القومية الكردية، لم تستطع الحكومة استيعابها، بل لم يكن بالمقدور صهرها، مما اثار النزعات الجانبية في المجتمع العراقي، وشكلت كردستان مثلا للشيعة المدفوعين من ايران للاحتفاظ بخصوصيتهم، حتى العام 2003، ثم للاغلبية العربية السنية في غرب وشمال العراق بعد ذلك، بعد ان تراجعت امتيازاتها حتى صارت تواجه الصهر في جسد الطوفان الشيعي الايراني.

كنتيجة، فان وجود كردستان في جسد الدولة العراقية كان هو السبب الابرز وراء حالة التمزق التي يعيشها النسيج العراقي اليوم، وعدم تلاحمه كوحدة سكانية واحدة، هذا الذي يهدد اليوم بانهيار وجوده كدولة.

واتمنى مقابل ذلك ان نراجع مع انفسنا الفوائد التي جناها العراق من انضمام كردستان، منذ تأسيسه الى اليوم؟ وهل يتعافى العراق من قرن من التمزق، بعد استقلال كردستان، تدريجيا على الاقل، ام الافضل بقاء كردستان جزءا من العراق لفترة اطول؟

ميدل ايست أونلاين

حسين القطبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات