الرئيسية / فن وترفيه / الموسيقى العراقية .. تأرجُح بين الجذور وسلطان الدولة

الموسيقى العراقية .. تأرجُح بين الجذور وسلطان الدولة

 هناء محمد عبده :كتابات

منذ بداية العصر العباسي، قام العلماء والفلاسفة العرب بدراسة “الموسيقى العربية” واستندوا في ذلك إلى “النظرية الإغريقية القديمة”، التي إعتمدت في تحديدها للأبعاد الموسيقية على قياس أطوال الأوتار، وهي النظرية المعروفة بإسم “فيثاغورس”. وأسهم في هذه الدراسة الكثيرون منهم: “الفارابي وإبن سينا والكندي وصفي الدين الأرموي وقطب الدين الشيرازي”، ثم “عبد القادر المراغي” وغيرهم في فترة لاحقة في القرن الرابع عشر. ويعتبر كتاب “الأرموي” كتاب “الأدوار” وكذلك “الرسالة الشرفية” من أبرز ما كتب من دراسات عن الموضوع. ولعدم شيوع أي نظام للتدوين الموسيقي “رغم المحاولات العديدة”، أعطيت للأصوات الموسيقية أسماء اشتقت من أسماء المقامات “وهي النغمة المميزة للمقام، مثلاً النغمة التي يبدأ بها”. ولكن إلى اليوم لا يوجد إتفاق بصدد تردد هذه الأصوات.

إرتباط الموسيقى بالكتابات “المسمارية”..

يقول الشاعروالباحث العراقي “حسن الوزني”، إن الموسيقى بإعتبارها من مظاهر الحضارة في بلاد الرافدين لها تاريخ سحيق في القدم, وإن دراستها مرتبطة كل الإرتباط بنتائج التنقيبات والدراسات والبحوث الأثرية واللغوية الخاصة بالكتابات المسمارية.

عندما نتتبع مراحل تاريخ الحضارة الموسيقية لبلاد الرافدين نلاحظ أن جميع الآلات الموسيقية القديمة المختلفة من “وترية وهوائية وإيقاعية”، والتي وصلت إلينا، وجدت من خلال التنقيبات الأثرية التي جرت في بعض مدن العراق القديمة مثل “أور, كيش, نمرود”.

كما لوحظ أن مشاهد الآلات الموسيقية المختلفة التي نحتت أو نًقشت على أصناف عديدة من الآثار، والتي عُرفت من خلال “الأختام الإسطوانية والدُمى الطينية والأواني الفخارية والتحف العاجية والرسوم الجدارية والمنحوتات الحجرية”. كما وصلتنا مجموعة من النصوص المسمارية منها مدونة بالكتابة المسمارية حيث وردت فيها أسماء كثيرة للآلات الموسيقية باللغة “السومرية والأكدية”، ونوع المادة المصنوعة منها الآلة الموسيقية وأسماء الموسيقيين وأصنافهم كلها دُون في تلك المصادر.

الموسيقى الغنائية تتصدر المشهد..

كانت الموسيقى في العراق القديم “غنائية”، حيث صاحبت الآلة الموسيقية الغناء والتراتيل الدينية للفرح والأعياد وميراث وعزاء للموتى ودعوات وصلوات بصورة عامة. وكان الأداء الموسيقي محدوداً، وله ضوابط معينة على غرار الطقوس والشعائر الدينية. وذكرت النصوص المسمارية أن أكثر الموسيقيين كانوا من الكهنة ورجال المعبد. كما كان بعض الموسيقيين يتعاطون مهناً أخرى لا علاقة لها بالمعبد ولكنهم يستدعون للمشاركة في العزف والغناء في المناسبات التي تستدعي ذلك . وكانوا العازفين من الرجال والنساء.

أن الموسيقى كانت تُدرس وتُعلم في “مدرسة المعبد ومدرسة القصر”، وكان التدريس يشمل نظريات في الموسيقى وأغلب النظريات كانت متأثرة بالنظرة الدينية والفلك .

ذُكر في مقال “الحضارة الموسيقية لبلاد ما بين النهرين”، والذي نُشر في مجلة أفاق عربية العدد 3 لعام 1982، وكتاب الدكتور الآب “سهيل قاشا” (عراق الأوائل حضارة وادي الرافدين) والصادر في العام 2010، أن الموسيقيون يشكلون فئة “حرفية” هامة في بلاد ما بين النهرين, حتى أن بعضهم أضحوا موظفين ذوي مناصب رفيعة في البلاط.

وقبل أعوام قدمت الدكتورة “دشين ـ غليمن” من جامعة “لييغ” في بلجيكا بحثاً تحت عنوان “النظرية الموسيقية تبدأ من سومر, اكتشاف سلم موسيقي بابلي”، أوردت فيه الدليل على وجود نظام موسيقي في بلاد السومريين التي عرفت فيما بعد بإسم بلاد بابل وهو أول سلم “دياتونيكي” في تاريخ الموسيقى, ولعلة كان وفقاً لنظام “الدوزنة” أيضاً.

كما إهتم الأشوريين كثيراً بالموسيقى أكثر من غيرهم من الشعوب التي إستوطنت وادي الرافدين وطوروا جميع الآلات الموسيقية, وكذلك تطور الغناء عندهم وإتخذ جوانب متعددة من التعبير.

كما قام الأشوريين بتخليد إنتصاراتهم على مسلات ولوحات أثرية، وكان للفرق الموسيقية دوراً بارزاً إلى جانب مشاهد الحروب والجنود. وهناك بعض الشواهد على ذلك، فقد كان الملك الأشوري “شمشي ادد الأول” المعاصر للملك البابلي “حمورابي”, قد بعث برسالة إلى أحد عُماله في الأقاليم يطلب فيها منه “تجنيد ثلاثة مغنين ومنهم المغني المعروف آنذاك “سن ـ يقيشام” لمرافقة الحملة العسكرية الأشورية لكي يساهم في المعركة بتقديم الأغاني الحماسية وإثارة حماس المحاربين الأشوريين”, حيث كان الفنان العراقي هو الآخر شأنه شأن جيشه يسجل البطولات بالصورة والكلمة والنغم في قطعة فنية واحدة.

إن أقدم شاهد أثري يصور لنا على الرخام إستخدام الأغنية والموسيقى في الحرب قد وجد في “نينوى”، وهو عبارة عن منحوتة جدارية إرتفاعها “متر وأثنين وستين سنتم”، تعود لزمن الملك “اشور بانيبال”، وقد نقلت في حينه إلى متحف “اللوفر” بباريس. لقد قسم النحات الأشوري هذه المنحوتة الرخامية إلى عدة “أفاريز”، ونحت فيها مشاهد كثيرة تصور تسلسل مراحل معركة حربية خاضها الجيش الأشوري. وكان من ضمن التفاصيل المنحوتة موضوع استعمال الأغنية والموسيقى في الحرب. حيث كانت تصور المنحوتة معركة قائمة مع العدو وتقف فرقة موسيقية عسكرية مؤلفة من أربعة موسيقيين يقومون بتقديم الأغاني والموسيقى كتشجيع للجنود.

موسيقى “نينوى” الأكثر قدماً..

تعتبر موسيقى “نينوى” ثاني أقدم موسيقى في التاريخ بعد موسيقى “رأس شمرا”.. حيث يتجاوز عمرها “3500 سنة”، حيث وجدت هذه الموسيقى مكتوبة على ألواح من الحجر في “أوغاريت” السورية، وأخذت إسم نينوى بعد فك شفرة النوتة وعزفها حيث قامت الفرقة السيمفونية الفرنسية بعزفها على آلات شرقية وغربية تمازج فيها عزف الكمان وتداخل مع الناي الحزين الذي يسحر بنغماته الرقيقة الحزينة كل من يسمعه.

سالم حسين الأمير

الموسيقار والشاعر العراقي “سالم حسين الأمير”، في كتابه “الموسيقى والغناء في بلاد الرافدين”، ينتقل من متابعة موضوعه “الموسيقى في بلاد الرافدين” تاريخياً في فصل من فصول الكتاب، إلى بحث “المقام العراقي”، كلون من الغناء الذي يتميز به العراق ويمتد تاريخه إلى عدة قرون خلت، ويتابع ينابيع المقام في العراق وأصله والتسميات الأعجمية التي ترافقه وطبيعة آدائه وغنائيه، ووصفه من حيث الإيقاع في موسيقاه، وخصائص المقام العراقي في شهر رمضان ويبحث لاحقاً في شكل غنائي هو “الزهيري – الموال”، و”الجالغي البغدادي – التخت الموسيقي”، المرافق لغناء المقام، ثم يقدم المؤلف متابعة أرشيفية رصينة لأعلام المقام العراقي خلال قرنين وصولاً إلى الوقت الحاضر.

الغناء العراقي.. ريفي، بدوي، مربع ومنولوج، عربي كردي وتركماني..

مثلما تتعدد تضاريس العراق وتتعدد قومياته، تتعدد أشكال الغناء فيه، هكذا نصل إلى قراءة في الغناء الريفي العراقي وأعلامه والغناء البدوي وأعلامه وغناء “المربع” و”المونولوج”، كسمات لافتة في غناء المدينة العراقية، كذلك نجد رصداً للغناء الكردي، والتركماني في العراق.

وإذا كان الأمير درس الغناء والموسيقى في العراق بحسب المراحل التاريخية تارة، وبحسب الأنماط الفنية تارة أخرى، فإنه يعمق دراسته بالتوقف عند علامات بارزة ومهمة في الفن الموسيقي الغنائي العراقي، ومن أكثر هذه العلامات “معهد الفنون الجميلة” الذي ترسخت فيه وبوجود عميده ومؤسسه “الشريف محي الدين حيدر” ومساعده “حنا بطرس”، إبداعات و”جميل بشير” و”سلمان شكر” و”منير بشير” و”غانم حداد” و”جميل سليم”، وغيرهم العشرات من كبار المؤلفين والعازفين الذين أدخلوا الموسيقى والغناء في العراق إلى آفاق الحداثة الواسعة.

موسيقى العراق المعاصر..

إن الموسيقى في العراق، والشعر دون أدنى شك، ترافق المواطن العراقي منذ ولادته حتى طقوس وفاته، فتبدأ بالتهوديات العراقية على نغم “المثنوي”، وتهاليل الباعة وتدليلهم على بضائعهم في الأسواق على “الركباني”، و”الهوسة”، لتحميسهم وشد أزرهم. حتى قراءة القرآن في العراق تتميز عن قراءته في مصر والشام فهو يقرأ في العراق عادة على “الطاهر” و”الماهوري” و”خلوتي” و”العشيران”.

في العراق المعاصر العديد من الأنماط الموسيقية مثل النمط الموسيقي الغنائي “البغدادي والريفي الجنوبي والبصراوي والكردي والبدوي والكاولي (الغجري)”، وغيره. وقد كانت نسبة كبيرة من الموسيقيين في بداية القرن العشرين من اليهود. كما أن راديو العراق الذي افتتح عام 1936م كان اليهود يشكلون نسبة كبيرة من موظفيه في بداياته.

دكتور”حسين الهنداوي”، باحث وأكاديمي عراقي يوضح: “أن هذا الفن الذي كان قد عرف، في النصف الثاني من الستينيات تحديداً، نهوضاً واعداً أصيلاً صنعه الفنانون أنفسهم وبدون أي دعم من الدولة”.

مقام العراقي يؤديه محمد الطالقاني

يضيف الهنداوي: “تجسد ذلك في ظهور حركة تجديد شبه شاملة تظافرت على خلقها جهود نخبة من الملحنين الشباب آنذاك “محمد جواد أموري، طالب القرغولي، كوكب حمزة، سامي كمال، كمال السيد”، والعديد غيرهم .والاصوات المتميزة “حسين نعمة، فاضل عواد، أنوار عبد الوهاب، ياس خضر”، والنصوص الشعرية الشعبية الجميلة الجديدة لا سيما قصائد الشاعرالكبير “مظفر النواب” ونصوص أخرى لـ”عريان السيد خلف” و”زهير الدجيلي” و”طارق ياسين” و”زامل سعيد فتاح” و”أبو ضاري وعلي الشيباني”.

وهكذا، عبر هذه المراحل وبفضل تواطؤ جماعات انتهازية تعاونت معها نجحت السلطة في إحلال نفسها وبشكل مطلق وسيطاً ورقيباً وقيّماً أوحداً على الموسيقى العراقية التي دخلت منذ مطلع السبعينيات في فترة مظلمة بكل معنى الكلمة. فقد تعرضت علاقة الفنان بالناس، التي هي منهله الأساسي في الإبداع، إلى نوع من القطيعة وبالتالي إلى تدهور جمالية وخصب النتاج الموسيقي العراقي الذي تحول في قسمه الأعظم إلى مجرد ملحق بإعلام حكومي.

ولا بد من المرور على جهابذة الموسيقى العراقية الحديثة ممن رفعوا شأنها وأدخلوها قلوبنا وبيوتنا، بدءاً من “الملا عثمان الموصلي” أستاذ “سيد درويش”، وقراء المقام مثل “أحمد زيدان” و”رشيد القندرجي” و”محمد القبانجي” و”يوسف عمر” و”ناظم الغزالي”، والموسيقيين الكبار أمثال “جميل بشير” و”جميل سليم” والمغنين الخالدين كـ”فؤاد سالم” و”سعدون جابر” و”حميد منصور” وغيرهم ممن أثروا ومازالو الحياة الفنية الموسيقية العراقية والعربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات