الرئيسية / المقالات الأدبية / الشاويش فتح االله كركوكلي……بقلم نصرت مردان

الشاويش فتح االله كركوكلي……بقلم نصرت مردان

لكن ثمة صورة متعلقة في ذهني، تأبى أن تنطفئ أو تختفي رغم السنين. قصة ذكرها لي أحد أقارب القائد عمر علي بطل معركة جنين، في معسكر سيلوبي بتركيا، التي قضيت فيه عاما مع أفراد أسرتي، أتذكر شخصيا هذه القصة بأسى وشجن .

قال لي : في طفولتي كنت أرافق أبي زيارته لدارة (عمر علي) قائد القطعات العراقية في قاطع جنين بفلسطين عام ١٩٤٨ ،وكان يرافقنا أحيانا (عبدالكريم كوله من، المطرب فيما بعد) الذي خدم في قوات عمر علي كنائب ضابط .

ونظرا لرخامة صوته فقد أختاره القائد كمؤذن، وكمنشد للأناشيد الحماسية لإثارة همة المقاتلين. ما أذكره من تلك الأيام أيضا، وجود صورة كبيرة معلقة في غرفته للزعيم الفلسطيني عبد القادر الحسيني بطل معركة القسطل .

من ضمن الروايات المؤثرة التي كان يرويها لأبي، قصة لقائه بالشاويش الكركوكلي في القدس، ولهذا اللقاء قصة شجية لا أزال أتأثر كلما تذكرتها :

في زيارة لعمر علي مع بعض ضباطه إلى مسجد الأقصى لصلاة الجمعة استرعى انتباهه وجود رجل كهل بملابس رثة، يمشي جيئة وذهابا قرب جدران المسجد، مرفوع الهامة.

وحينما سأل عنه قالوا، أنه محارب عراقي يطلق عليه أهل القدس اسم (الكركوكلي) لكونه من مدينة كركوك. وهو لا يزال يعتقد بأنه شاويش في الجيش العثماني.

حيث انه فضل البقاء في القدس ولم يعد إلى بلده العراق . بعد خروج عمر علي من المسجد توجه نحو الكهل، وما أن رأى الرجل العجوز عمر علي مقبلا نحوه وهو يلبس ملابسه العسكرية.

حتى وقف أمامه مؤديا له التحية العسكرية ومقدما نفسه : ـ الشاويش فتح االله كركوكلي سيدي . .! بش عمر علي في وجهه قائلا :

هل تحتاج إلى شيء يا عمي؟

وأتاه الجواب كالصاعقة باللغة التركمانية : ـ

پاشام!ارجو أن تقول لقائدي برهان الدين باشا قائد فرقة المشاة في الكتيبة (الفلانية)، إنني لا أزال أقوم بواجبي كالعادة في حراسة المسجد الأقصى !

اغرورقت عينا عمر علي بالدموع أمام منظر هذا الرجل الذي توقف الزمان في ذهنه، لكن الشعور الوطني بأداء واجبه العسكري، والذي يلتزم به من طلوع الشمس حتى مغيبها كل يوم دون كلل، في حراسة المسجد الأقصى لم يزل نابضا وحيا، رغم مرور عقود على انتهاء الحرب العالمية الأولى . .

التركمان الذين يحبون لغتهم وتراثهم وهويتهم الوطنية، يحبون العراق.

ولنا في سير شهدائنا ومناضلينا عشرات القصص التي تؤرخ وتوثق هذا الحب العميق 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

التخطي إلى شريط الأدوات