الرئيسية / بحوث ودراسات / النهاية المحزنة لجريدة ´البشير` التركمانية

النهاية المحزنة لجريدة ´البشير` التركمانية

قصة غلق الجريدة واعتقال هيئة تحريرها

حبيب الهرمزي

hhurmuzlu@yahoo.com

ذكرت في الحلقات السابقة من هذه المذكرات ان هيئة تحرير جريدة “البشير” الاسبوعية التي كانت تصدر بعد قيام الجمهورية في العراق، كانت تتألف من ثلاثة محامين تركمان عقدوا العزم على خدمة القضية التركمانية عن طريق القلم والكلمة، وهؤلاء هم الاستاذ القدير عطا ترزي باشي والمرحوم محمد الحاج عزت وكاتب هذه المذكرات حبيب الهرمزي.

كان العام الذي بدأ من تاريخ قيام الجمهورية وحتى حدوث مجزرة كركوك الرهيبة اي من 14 تموز/ يوليو 1958 وحتى 14 تموز/ يوليو 1959، عاما مليئا بالاحداث المتسارعة والمتلاحقة، ابدى فيه التركمان حماسا منقطع النظير في الدفاع عن وجودهم وكيانهم والحفاظ على تراثهم وثقافتهم. وفي مقابل ذلك كان المد الشيوعي قد بدأ يتغلغل شيئا فشيئا في البلاد نتيجة افساح زعيم ثورة 1958 عبد الكريم قاسم المجال للحزب الشيوعي بدافع الوقوف امام المد القومي المتمثل بانصار الزعيم المصري جمال عبد الناصر والذي كان يقوده شريك عبد الكريم قاسم في الثورة العقيد عبد السلام عارف[1]. واضحت مدينة كركوك مسرحا لصراعات عنيفة بين ابناء البلد وبين الوافدين اليه من كل حدب وصوب بغية ترسيخ الفكر الشيوعي والاستحواذ على مصير المدينة وخيراتها. وهكذا تسلطت فئة قليلة على مصير الشعب وحياته وحريته. وعندما قامت ثورة عبد الوهاب الشواف في الموصل يوم 8 مارس 1959، اتهم قائد الفرقة الثانية في كركوك المرحوم الزعيم الركن ناظم الطبقجلي بضلوعه في مؤامرة الشواف، وكان قد جرى استدعاؤه الى بغداد وتوقيفع من قبل عبد الكريم قاسم لينتهى كل ذلك بمحاكمته والحكم عليه بالاعدام وتنفيذ الحكم بحقه بتاريخ 20 ايلول/ سبتمبر 1959.

وإثر استدعاء قائد الفرقة الثانية الطبقجلي الى بغداد، عيّن محمود عبد الرزاق وكيلا للقائد لفترة موقتة اعقبها تعيين داود الجنابي قائدا للفرقة الثانية. والمعروف ان الجنابي كان عضوا ناشطا في الحزب الشيوعي العراقي، وكان تعيينه كقائد للفرقة الثانية بكركوك بمثابة ضربة للقوى القومية العربية من جهة وللتركمان من جهة ثانية.

قدم داود الجنابي الى كركوك عن طريق القطار، ووصل الى محطة قطار كركوك القديمة صباح يوم السادس عشر من مارت 1959، واستقبل من قبل الشيوعيين الممثلين بمنظمة انصار السلام واتحاد الشبيبة الديمقراطي والنقابات والجمعيات التي كان الشيوعيون قد استحوذوا عليها خلال المد الشيوعي، استقبل استقبالا حافلا اطلقت خلاله الهتافات المعادية لمن كانوا يسمونهم (أعداء الجمهورية). ووصل القائد الجديد الى بناية قيادة الفرقة الثانية المسماة “القشلة”. وكان اول أمر اصدره القائد الجديد يتضمن الايعاز الى ادارات الصحف الصادرة في مدينة كركوك انذاك (وهي صحف البشير والآفاق وكركوك) بإصدار عدد خاص بمناسبة قدومه الى كركوك. وكانت الأوامر مشدّدة بلزوم صدور هذه الصحف في موعد اقصاه صباح اليوم التالي لقدوم القائد.

كنا في ادارة الجريدة عندما استدعي المرحوم محمد الحاج عزت الى مديرية الاستخبارات العسكرية بصفته رئيس تحرير “البشير”: وعاد المرحوم محمد بعد نحو ساعة مضطربا وغاضبا وقال لي انهم يريدون منا ان نصدر العدد الخاص باللغات العربية والتركية والكردية! وتداولنا في الأمر مليّا، غير ان المرحوم افاد بصراحة انه سوف لا ينصاع الى هذا القرار وليكن ما يكون…

وسهرنا في تلك الليلة من يوم الاثنين المصادف 16 مارس في ادارة المطبعة مع العمال الى ان انتهى أمر الطبع في الساعة السادسة من صباح اليوم التالي المصادف 17 مارس. واستلمنا اعداد الجريدة ونقلناها الى ادارة الجريدة تمهيدا لتوزيعها.

العدد الأخير من جريدة “البشير”

يعتبر العدد الأخير من جريدة البشير الذي صدر يوم الثلاثاء الموافق 17 مارس من عام 1959 من اغرب ما صدر من دوريات في عالم الصحافة التركمانية داخل العراق وخارجه. فالمعروف في عالم الصحافة سواء اكانت الجريدة او المجلة يصدرها اشخاص او جمعيات او احزاب او حتى ان كانت الصحيفة تنطق بإسم الدولة او الحزب الحاكم او المعارض في اية دولة، فان لكل منها سياسة ومنهاجا معينا تطبقه بالنسبة لما تنشره على صفحاتها. ولكن هذا العدد الأخير من جريدة “البشير” وهو العدد السادس والعشرون من الجريدة، يتميّز عن تلك الاصدارات بتناقض واضح في ما تضمنته صفحاتها الستة عشر وبقسميها التركي والعربي.

ولتوضيح ما اوردته اعلاه، ابدأ بسرد لهذا العدد الأخير مبتدئا بالقسم التركي ثم بالقسم العربي. تضمنت افتتاحية القسم التركي من هذا العدد الأخير كلمة بقلم خير الله بللو اوغلو(خير الله كاظم) بعنوان (فلنحافظ على الجمهورية) يشيد فيها بقيام الجمهورية وبقائدها الزعيم عبد الكريم قاسم ويؤكد على ان التركمان نالوا حقوقهم وانه تم تخصيص قسم في اذاعة بغداد للتركمان يذيع بلغتهم. وهي افتتاحية اعتيادية مما كان يقال ويكتب انذاك من كيل المديح للجمهورية وقائدها. وتضمّن القسم التركي في باب الاخبار المحلية خبرا عن وصول قائد الفرقة الثانية داود سلمان الجنابي الى كركوك واستقباله في محطة قطار كركوك بحفاوة كبيرة، وان القائد الجديد القى كلمة على المستقبلين نقل فيها تحيات الزعيم عبد الكريم قاسم الى اهالي كركوك، وطلب من الاهالي توحيد صفوفهم والحفاظ على الجمهورية تجاه المستعمرين واذنابهم، وان القائد استقبل المهنئين في مقره بقشلة كركوك. وورد في نهاية الخبر جملة تضمنت الترحيب بالقائد الجديد وتمني نجاحه في مهمته.

وتتالت مواد الجريدة على نفس خطها في اعدادها السابقة، ونرى فيها كلمة عن الموسيقار التركي يساري عاصم بقلم فاضل صابر، وقصيدة “رمضانية” من نظم الشاعر التركماني الكبير هجري دده، وصفحة تضمنت كلمات اغاني تركمانية شهيرة، وركن الأقلام الشابة (كنج قلملر قورناسي) تضمن قصيدتين من نظم “سعدون حسن كوبريلي” و “ن. طوزلو”.

اما القسم العربي، فقد تضمّن مقالا افتتاحيا بعنوان “الانسان بين الرحمن والشيطان” بقلم الكاتب التركماني رفعت يولجو، ومقطعا من الأدب التركي بعنوان “الهيكل” للشاعر التركي الكبير نجيب فاضل مترجمة الى اللغة العربية من قبل حسام الدين كوبرولو. وتضمنت الاخبار باللغة العربية اخبارا عن مظاهرات الطلبة وسائر المواطنين تأييدا لزعيم البلاد عبد الكريم قاسم وبرقية اسرة تحرير “البشير” المتضمنة استنكار المؤامرات التي تحاك ضد الجمهورية، وخبرا عن الترحيب بقائد الفرقة الجديد وبأنه القى كلمة على الوف المستقبلين يدعو فيها الى (توحيد الصفوف والتآخي وجمع الكلمة ليكون ابناء البلد كتلة واحدة عربا وتركمانا واكرادا وارمنا واثوريين في خدمة الجمهورية). وكتب رئيس تحرير الجريدة المرحوم محمد الحاج عزت مقالا بعنوان “توحيد الصفوف”، ونجد مقالا آخر بقلم حبيب الهرمزي مسؤول القسم العربي من الجريدة بعنوان “قانون الاصلاح الزراعي|”. اما صفحة الطلبة، فقد تضمنت اخبارا عن نشاطات الطلبة في المدارس الثانوية بكركوك، واما الصفحة الأخيرة من العدد وهي الصفحة التي كان الأديب وحيد الدين بهاء الدين يحررها تباعا، فقد كانت بعنوان “الرصافي في ذكراه”.

والى هنا نجد ان هذا العدد الأخير من “البشير” لا يختلف عن سابقاته من الاعداد الخمسة والعشرين من الجريدة في نوعية مضامينها، ماعدا ما تم نشره على الصفحة الحادية عشرة من قصيدة مخزية بعيدة عن الذوق الفني والأدبي والسياسي بعنوان “قصيدة شعبية” وبقلم احد النكرات من مؤيدي الشيوعيين هو عبد اللطيف فرعون، فرضت على ادارة الجريدة فرضا من قبل ادارة الرقابة العسكرية التابعة لمديرية الاستخبارات العسكرية التابعة لقيادة الفرقة الثانية بكركوك. وانني اشعر الآن بأشد الخجل والتقزز عندما انقل للقارئ الكريم نص هذه القصيدة المسخ ليتفهّم مدى الكارثة التي وقعت فيها مدينتنا الحبيبة باستيلاء هذه الأقزام عليها واعتذر من قرائي مقدما عن ذلك :

كمال الحشاش طلع كرون والبعثيين لا يدرون

عندي زوج بغال واحد بن كوريون والثاني جمال

يا ايها الحشاشون من عندنا ماذا تريدون

من بورسعيد سلاح اتدزّون للأحرار تقتلون

من عندنا بطل نفط ما تشوفون

يا ايها الخائنون فلوس الخزينة تسرقون

قصور منها تعمرون

للأردن لحسين حسنة ملص اتدزّون

يا ايها الخائنون من الشعب ترتشون

بوكر منها تلعبون

بيرة وعرق تتزقنبون

يا خادمين الروبية جتكم من الله بليّة

راحت منكم الرشوة وجور الاضافية

يا عابدين الدولار ولّى منكم الاستعمار

صين الشعبية تأخذ منكم الثار

وعودا الى موضوع افتتاحيات اعداد الجريدة، نلاحظ ان غالبيتها كانت تحرّر في القسم التركي من قبل المسؤول عن هذا القسم الاستاذ عطا ترزي باشي الذي نجد 18 افتتاحية من افتتاحيات الاعداد جميعها البالغة ستة وعشرين عددا محررة بتوقيعه، بينما نجد ثلاث افتتاحيات بقلم سليمان اوج آل وافتتاحيتين بقلم رفعت ويولجو وافتتاحية واحدة بقلم خضر لطفي، واخرى بإسم “البشير”، وكانت افتتاحية العدد الأخير بقلم “خير الله بللو”. اما افتتاحيات القسم العربي، فقد حرر اربعا منها من قبل مسؤول القسم العربي حبيب الهرمزي، واربعا اخرى بقلم عبد السلام حلمي، وحررت ثلاث افتتاحيات من قبل مسؤول القسم التركي عطا ترزي باشي، وثلاث افتتاحيات من قبل رفعت يولجو وثلاث اخرى من قبل (سيف الدين الخطيب) الذي كان يحرر مقالاته بإسم (ابو عفاف)، وافتتاحيتان من قبل رئيس تحرير الجريدة محمد الحاج عزت، وتولّى تحرير افتتاحيات اعداد واحدة من قبل كل من وحيد الدين بهاء الدين والهام بيرقدار وصلاح حمدي وشوقي، واخرى بإسم “البشير”. اما افتتاحيات العددين الباقيين، فقد خصصتهما الجريدة لكلمة قائد الفرقة الثانية ناظم الطبقجلي ولخطاب من خطابات عبد الكريم قاسم.

وهكذا فاننا لا نجد في افتتاحيات القسمين التركي والعربي اية افتتاحية بإسم (خير الله بللو اوغلو) غير تلك المحررة في العدد الأخير، ولم نجد لهذا الكاتب اي مقال او قصيدة او حتى رباعية في قسم الاقلام الشابة (كنج قلملر قورناسي) التركية والعربية على السواء في أيّ من اعداد الجريدة، مثلما لم نجد له اي اسهام في مجلة الأخاء (قارداشلق) التي اصدرها نادي الأخاء التركماني ببغداد وطوال سبعة عشر عاما ولحين استيلاء انصار حزب البعث من التركمان على النادي والمجلة واصدارهم جريدة “يورد” التي تولّت مديرية الثقافة التركمانية اصدارها. فما الذي اتى بهذه الافتتاحية اليتيمة لتنشر في العدد الاخير من “البشير” مع ان الاعداد الخمسة والعشرين من الجريدة خلت من اي اسهام لهذا الكاتب باية صورة؟ الواضح اذا ان هذه الافتتاحية فرضت على ادارة الجريدة من قبل دائرة الرقابة العسكرية التي كانت تخضع لإمرة قائد الفرقة الجديد الذي كان من اعضاء او من اعوان الحزب الشيوعي العراقي، مثلما فرضت عليها القصيدة العصماء! لذلك المسخ الشيوعي الذي اشرنا اليها ونقلنا نصّها في اعلاه.

والآن وبعد مرور اكثر من نصف قرن على صدور جريدة البشير وسطوع نجمها بشكل سريع وافول ذلك النجم على النحو الذي اوردناه، تساءلت بيني وبين نفسي : هل اعطى كتّابنا ومؤرخو الصحافة التركمانية شيئا من الإهتمام بهذه الصحيفة وهل اجروا دراسة تحليلية لمضمونها ومحتواها وخط سيرها؟ والجواب انني لم اجد الا النزر اليسير من هذه الجهود، ومن المرجّح ان بعضا من الكتاب والصحفيين الشباب لم يطّلعوا على اعداد الجريدة، بل وان البعض منهم ليس له اي علم بهذا الإصدار وبما بذله زملاء لهم كانوا في نفس اعمارهم من تضحيات مادية ومعنوية في هذا المجال. وقد وجدت ان استاذنا عطا ترزي باشي – أمدّ الله في عمره – لم يتوان عن الإشارة الى “البشير” والإشادة بها في أكثر من مناسبة. ففي كتابه المعنون “تاريخ الطباعة والصحافة في كركوك”[2] الذي هو ترجمة الى اللغة العربية من الأصل التركي[3] من قبل الأديب المرحوم مولود طه قاياجي، نجد الكاتب يفرد مساحة واسعة لهذه الجريدة يتناول فيها اهدافها ومؤسسيها والذين تولّوا ادارتها وتاريخ صدورها وحجمها وشكلها ومعلومات مفصلة عن الكتّاب والشعراء الذين نشرت “البشير” نتاج قرائحهم على صفحاتها، كما تكلّم عما كانت الجريدة توليه من اهتمام متزايد بالتراث الشعبي التركماني بمختلف مناحيه. واوضح ترزي باشي في كتابه هذا الخصائص التي تميّزت بها “البشير” عن الصحف التي صدرت قبلها في مدينة كركوك وحددها بمعالم معينة منها:

– صفاء اللغة ونقاؤها من الشوائب. ولعله قصد بذلك في الدرجة الأولى تحرير القسم التركي منها بلغة تركية خالصة وبعيدة عن الكلمات والتعابير التي كانت تستعمل في العهد العثماني.

– التعامل مع الشعب عبر تجسيد امانيهم وطرح قضاياهم.

– افراد صفحة خاصة يتم فيها تسجيل كل ما يتعلّق بالتراث الشعبي التركماني، واعتبر ترزي باشي ذلك مجهودا لم تسبقها فيه اية صحيفة نشرت قبلها.

– الاهتمام بالادباء والشعراء المعاصرين والتعريف بهم.

ولم ينس ترزي باشي الإشادة بالجريدة من حيث انتشارها الواسع وعدد نسخها المطبوعة.

اما الأديب التركماني الدكتور نصرت مردان، فقد أفرد لجريدة “البشير” خمس صفحات في كتابه المعنون ” الصحافة التركمانية في العراق بين قرنين 1911 – 2006 “[4] اوضح فيها ان “البشير” كانت اول جريدة تركمانية صدرت بكركوك في العهد الجمهوري بالعراق، وآخر جريدة صدرت في كركوك في بداية العهد الجمهوري. وأكّد نصرت مردان في بحثه هذا على ان “البشير” لاقت تجاوبا كبيرا من لدنّ الرأي العام التركماني لإهتمامها بالشؤون الثقافية والاجتماعية وبالحقوق الثقافية للتركمان، وان الجريدة امتازت بالتفاعل مع الجماهير والتعبير عن تطلعاتها، مثلما اهتمت بالتراث والفولكلور التركماني والتعريف بالأدباء والمثقفين التركمان. وتحدث نصرت مردان في كتابه هذا عن المعوّقات التبي كانت تعاني منها جريدة “البشير” ومن اهمها محدودية الكادر، وخضوع كل ما كان ينشر فيها للرقابة العسكرية المسبقة، وعدم استقرار الأوضاع السياسية في العراق عامة وفي كركوك خاصة، وضعف التمويل المالي للجريدة حيث ان النفقات كان يتم تغطيتها من ارباح المحاماة للمسؤولين عن الجريدة حيث ان كلا من الاساتذة عطا ترزي باشي وحبيب الهرمزي والمرحوم محمد الحاج عزت كانوا جميعا يمارسون المحاماة في نفس الوقت.

ومما رصدته حول جريدة “البشير” مقال بقلم احمد قوشجي اوغلو بعنوان “البشير … اول جريدة تركمانية تصدر في العهد الجمهوري في كركوك”، والمقال منشور في مجلة “صوت الاتحاد” التي كان يصدرها اتحاد الأدباء والكتاب في العراق[5]. اورد الكاتب في مقاله هذا معلومات عما واكب اصدار الجريدة وعن القائمين بإصدارها وذكر اسماء ابرز الكتاب والباحثين الذين نشرت نتاجاتهم في هذه الجريدة. واشار الكاتب في مقاله الى ان ظهور هذه الجريدة “كان حدثا بارزا في تاريخ الحركة الادبية في تلك الحقبة”. ونجد ان الكاتب يستطلع في نهاية مقاله رأي الاستاذ وحيد الدين بهاء الدين حول “البشير والذي يفيد بدوره بأنه ” كان صدور جريدة البشير في شهر ايلول / 1958 نقلة نوعية في مضمار الثقافة الادبية في ديار كركوك، وانها ضمّت الوانا من الطرافة والثقافة والادب والشعر والنقد والتراث الشعبي، محققة بذلك خدمة الوطن والمجتمع…”.

وبدوري كنت قد نشرت في عام 1993 مقالا باللغة التركية في مجلة Türk Yurdu التركية اوردت فيها ذكرياتي عن جريدة “البشير” ومعلومات عن كيفية صدورها ونهجها الصحفي جريدة البشير وان صدور هذه الصحيفة يعدّ انقلابا وتغييرا جذريا في تاريخ الصحافة التركمانية وذلك باجماع الباحثين في هذا الموضوع ، وان “البشير” استعملت في قسمها التركي لغة تركية سلسة بعيدة عن اسلوب الكتابة في العهد العثماني الذي يكثر من استعمال التركيبات والالفاظ الفارسية والعربية، وانها اولت اكبر الاهتمام لنشر المقالات والابحاث ذات المستوى الرفيع وشجعت الشباب على الكتابة والبحث والنظم كما اولت اهتمامها لبحث ونشر الوان التراث الشعبي التركماني في مختلف بقاعه واضحت خلال فترة قصيرة من الزمن محط انظار القراء والكتاب معا مما جعلها تضرب الرقم القياسي في التوزيع.

هذا ما استطعت الوصول اليه من كتابات صدرت حول هذه الجريدة، واعتذر ممن كتبوا في هذا الموضوع مممن لم اتمكن من الوصول الى نتاج اقلامهم، غير انني لا يفوتني هنا ان انوّه بأن كتاب “دليل الجرائد والمجلات العراقية”[6] الذي هو من تأليف السيدة زاهدة ابراهيم خلا من ذكر لجريدة “البشير”، ولعل ذلك يرجع الى عدم اطلاع هذه المؤلفة على اعدادها.

* * *

كان اصدار “البشير ” تجربة ناجحة جدا، ولعل ذلك كان هو المحفّز لتكرار هذه التجربة ولكن بشكل اكثر تكاملا وادقّ اداء حينما قررت ادارة “نادي الأخاء التركماني” ببغداد اصدار مجلة شهرية سمّيت بإسم “الأخاء” او “قارداشلق”. ورغم ذلك النجاح فقد لاقينا في الأشهر الستة التي اصدرنا فيها “البشير” الكثير من المشاكل والمعوّقات والتهجّم غير المبرّر، ولعل ابرزها كان الاعتراض والعتاب الشديد الذي لاقيته شخصيا من احد القضاة في محاكم كركوك وكان زميلا لي في كلية الحقوق (القانون) حينما عاتبني أشدّ العتاب لنشرنا مقالا تاريخيا متسلسلا في “البشير” بعنوان “البيات في التاريخ” ، بداعي ان هذا المقال المترجم الى اللغة العربية من اصله المحرر باللغة التركية يدّعي كون أصل عشيرة البيات من التركمان في حين ان أصل عشيرته هذه عربية. وعبثا حاولت ان اشرح لزميلي هذا ان هذا البحث مترجم حرفيا من الانسكلوبيديا التركية وانه سبق ان نشرنا نصه التركي في الأعداد الخامسة والسادسة والسابعة والثامنة من نفس المجلة. ومن اغرب انواع العتاب والتشكّي الذي لقيناه كان موجّها الينا من زملاء لنا في المحاماة بسبب نشرنا نصوصا في صفحة الفولكلور من الجريدة اعتبرها البعض تعريضا بقومية معينة مع بعدنا عن هذا الاتجاه بعدا شديدا وحرصنا على التآخي بين القوميات في كركوك!

***

في الساعة التاسعة من صباح يوم 17 مارس لعام 1959 تم استدعاء رئيس تحرير الجريدة المرحوم محمد الى مديرية الاستخبارات للمرة الثانية، حيث تم استجوابه بسبب عدم تضمين العدد الخاص من “البشير” موادا باللغة الكردية، واجاب محمد في محاولة للتخلص من هذه “التهمة” بان امتياز الجريدة يتضمن النشر باللغتين العربية والتركية فقط وانه لا يستطيع مخالفة قانون الصحافة والتصرّف خارج نطاق الامتياز الممنوح للصحيفة. وبعد ظهر نفس اليوم وردني خبر اعتقال محمد الحاج عزت وصدور أمر بتسفيره الى بغداد.

سارعت بالذهاب الى دار زميلنا الاستاذ عطا ترزي باشي لنتداول في الأمر وكيف نستطيع ان نحول دون تنفيذ هذا القرار. وبينما كنا نتداول الموضوع مع الاستاذ ترزي باشي وردني خبر بانني مطلوب للحضور الى مديرية شرطة كركوك، فذهبت الى مديرية الشرطة التي كانت قريبة من دار ترزي باشي، حيث قابلت معاون مدير الشرطة ” حسين النجيفي ” الذي كان رجلا من اهالي الموصل دمث الاخلاق ومحترما من لدنّ الجميع في المدينة. اخبرني هذا المسؤول ان برقية وردت من الحاكم العسكري العام (احمد صالح العبدي) باعتقالي وتسفيري الى بغداد لصدور قرار بفرض الاقامة الاجبارية بحقي في قضاء الشطرة التابع للواء (محافظة) الناصرية. والغريب انني قابلت الأمر بهدوء ولكني رجوته ان يسمح لي بالمبيت في بيتي ووعدته بالحضور صباح الغد لأكون تحت تصرفهم، غير ان مخاطبي أبدى أسفه العميق لعدم تمكّنه من السماح لي بذلك وقال لي ” ليتك لم تحضر الآن الى هنا، اما وقد حضرت فانني لا استطيع ان البّي طلبك، وستكون ضيفا لدينا حتى صباح يوم غد”! وسمح لي هذا الرجل الطيّب بالاتصال تلفونيا بأهلي لطلب الفراش وبعض الحاجيات والنقود التي كنت أحتاج اليها في سفرتي الى المجهول!

والى لقاء آخر بإذن الله لأدوّن ذكرياتي عن اعتقالي واعتقال المئات من الشخصيات التركمانية وبضمنهم سائر اعضاء هيئة تحرير جريدة “البشير” في تلك الأيام السوداء من تاريخ مدينة كركوك الأبية.

•نشرت هذه الحلقة في العدد 294 – 295 – 296 ( نيسان – ايار – حزيران 2014 ) من مجلة الأخاء (قارداشلق) الصادرة من قبل نادي الأخاء التركماني ببغداد.

————————–
[1] – صدر حكم بالاعدام على عبد السلام عارف، غير ان عبد الكريم قاسم عفى عنه. ثم قام عارف بحركة ضد قاسم في 8 شباط/ فبراير 1963 تم على إثره اعدام عبد الكريم قاسم، وتم تنصيب عارف رئيسا لجمهورية العراق. توفي عبد السلام عارف في حادث تحطم طائرته العمودية قرب البصرة بتاريخ13 نيسان/ ابريل من عام 1966.

[2] – ان الطبعة العربية من هذا الكتاب هو من اصدارات الجبهة التركمانية وطبع في كركوك بتاريخ 2008. انظر الصفحات 164 – 181 منه.

[3] – صدر هذا الكتاب باللغة التركية وباحرف العربية في مجلّدين طبعا بكركوك عام 2001 ثم تولّت مؤسسة وقف كركوك التي مركزها في مدينة استانبول بتركيا اعادة طبعه في مجلّد واحد وبالأحرف التركية الحديثة التي تسمّى مجازا “اللاتينية” ، وتم طبع هذه النسخة في مدينة استانبول وبتاريخ 2005.

[4] – طبع هذا الكتاب بتاريخ 2010 في مدينة استانبول بتركيا من قبل “مؤسسة وقف كركوك للثقافة والأبحاث”، والكتاب عبارة عن اطروحة نال بها الباحث درجة الدكتوراه من جامعة لاهاي بهولندا. انظر الصفحات 150 – 154 من الكتاب.

[5] – انظر العدد 53 من هذه المجلة الصادر في عام 1997، ص 15.

[6] – انظر الطبعة اثانية من هذا المطبوع الصادر بتاريخ 1982 في بغداد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات