الرئيسية / بحوث ودراسات / تاريخ الأحداث وجذورها في التأريخ نورالدين موصللو

تاريخ الأحداث وجذورها في التأريخ نورالدين موصللو

قبل تناول جزئيات عنوان الموضوع لا بد من معرفة مفهوم ( التاريخ والتأريخ ) فالتاريخ هو الأحداث التي حصلت عبر الزمان ، أما التأريخ فهو عملية توثيق الأحداث وتسجيلها ، العملية التي قد تخون الأمانة بشكل مقصود أو غير مقصود وعند استقراء الأحداث من مصادر مختلفة نجد سردا مختلفا بحسب المصدر وهذا ما ينطبق أشد الانطباق على واقع التاريخ لنفس الحدث وكأن المصادر تتحدث عن حدثين مختلفينفي روايات متناقضة لنفس الحدث خاصةعند ما يبقى المؤرخ أسير الإطار الفكري والفلسفي والرؤية الخاصة به والقناعات التي يحملها بمعنى أخر لا يتصف بالحيادية ولا يعتمد التحليل والإستنتاج بالمقارنة بين الفرية والإفتراء وصدق الحقيقة تحقيقا لإهداف المتوخاة من عمليات غسل الأدمغة وتغيير الوعي الجمعي لتترسخ تلك الغايات أكثر عندما لا تجد تلك الكتابات أقلام نزيهه صادقة تعتمد الدليل المادي للتصدى لها .

لذا التاريخ هو سجل الماضي وكل يوم ينقضي فهو في عداد الماضي ومن أجل ذلك فان دقائق الأمور وصغائرها تُسجل لحظة بلحظة في حياة الشعوب والأمم على شكل وقائع وأحداث و فعاليات وتجارب بأسبابهاونتائجها وبغاياتها وأهدافها تنتهي بالدروس والعبر والعِظة حسب الأهمية ونسبة التأثير على الحاضر والمستقبل سلبا او إيجابا .

  عليه فان تدوين التاريخ وكتابته ليس بالأمر الهين ودراسته ليست مهمة سهلة تتناول تمجيد وبيان محاسن وذكر المساوئ وسرد الوقائع أو ذكر الانتصارات والهزائم خارج منهج الالتحليل وتحقيق ومقارنة وإستنباط ودراسة وإطلاع سبيلا إلى التصوير الصادق وإصدار الحكم العادل بعين الأنصاف بعيدا عن الغرض والهوى والتحيز والتعصب ليعكس نزاهة الكاتب ونظافته من دنس التشويه أو التحريف وصولا إلى كشف القناع عن حقائق التاريخ باتباع أسلوب النهج البحث العلمي الرصين ، من اجل ذلك سلطنا بعض الضوء على بعض تفرعات تلك الجذورمن التاريخ .

مما لاشك فيه أن أمة الترك ظهرت في آسيا الوسطى وهي أمة قديمة تعد من اقدم الأمم وقد لعبت دورا هاما في بقاع العالم واصقاعه التي شملت اغلب قارات العالم وأهمها، وقدأشار إلى موطنها رشيد الدين فضل الله في كتابه (جامع التواريخ/ تحقيق يحيى الخشاب- ترجمة محمد صادق نشأة ، محمد موسى هنداوي ، فؤاد عبد المعطي الصياد) ففي الجزء الأول الصفحة 212 ورد النص التالي (وحيث أن الأقوام الموسومة باسم الترك مقامهم وسكنهم في البلاد البعيدة التي طولها وعرضها من ابتداء طرف ماء جيحون وسيحون إلى انتهاء حدود بلاد الشرق وانتهاء صحراء قبجاق إلى نواحي جورجيا والخطا ).

    ويشير زكريا كتابجى في كتابه الموسوم (الترك في مؤلفات الجاحظ) الصفحة 20- 21 واستنادا إلى دائرة الكاشغري لشكل الأرض حيث جاء فيه (  يتضح لنا أن الموطن الأصلي للشعب التركي في أسيا الوسطى هو شبه منحرف من جبال هملايا ومن الجنوب الغربي هضبة البامير ومن الغرب جبال تيان شان ومن الشمال جبال الالتاي وبابلو نوي وستانوفوي ومن الشرق جبال كنجان وكونور والأراضي المحصورة بين هذه الحدود ستة ملايين كلم متر مربع بما فيها الجبال والهضاب البعيدة والمنخفضات) عند عودتنا إلى كل الكتب المتقدمة والموغلة في العصور والأزمان نلاحظ شبه إجماع واتفاق بينهم حول اصل الأتراك حيث يتفقون على أن أصلهم يرجع إلى ترك بن يافث بن نوح من الأنبياء المرسلين وكما ورد في التوراة (الكتاب المقدس/ التكوين، الإصحاح الخامس- صفحة 807) وقد أشار إلى ذلك اعتمادا على ما سبق الطبري والمسعودي وابن الأثير وغيرهم كثيرون.

    وأكد ذلك ابن خلدون في كتابه (تاريخ ابن خلدون) الجزء الأول الصفحة 8 (اتفق النسابون ونقله المفسرون على أن أولاد نوح الذين تفرعت الأمم منهم ثلاثة سام، حام، يافث ) .

     وقد تم ذكرهم في التوراة وان يافث أكبرهم وحام الأصغر وسام الأوسط ، سام أبو العرب وفارس والروم ويافث أبو الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج ، وحام أبو القبط والسودان والبربر ، ويضيف في موضع أخر وأما يافث فمن ولده الترك والصين والصقالبة ويأجوج ومأجوج باتفاق النسابين.

   أما عن قبائلهم وفروع بطونهم فقد فصل المروزي شرف الزمان طاهر المروزي في كتابه (طبائع الحيوان) المُحقق من قبل (ف/ منورسكي) في مواضيع مختلفة من الكتاب تفصيلا حيث ذكر من القبائل التركية الغز، التغزغز، القرغز، القارلوق، الغزر، برداس، كيماك، البجتاكية، المجغرية، قفجاق، القاي، التكوت، الصوغار، الجارووقو..الخ من القبائل التركية التي لا تعد ولا تحصى. وقد أوضح ذلك في الصفحة 23 قائلا ( قد ذكرنا من أجناس الترك وأحوالهم ما اشتهر وما استفاض من غير استقصاء وتطويل لان أجناسهم وأنواعهم وسيرهم ورسومهم وعاداتهم اكثر من أن يمكن استفاها بالذكر).

    وفي كتاب (ديوان لغات الترك) لمحمود الكاشغري جاء في الصفحة 27 (الترك في الأصل عشرون قبيلة ولكل قبيلة منها بطون لا يحصيهم إلا الله). ورغم تعدد وسعة كلمة الترك وشموليتها وتنوع قبائلها قديما إلا أن الدين الإسلامي كان عاملا أخر في تعميم كلمة الترك وانتشارها مع انهم كانوا يدينون بأديان شتى قبل الإسلام وكلما أسلمت بطون القبائل كلما تقدم الإسلام في ديارهم وأصبحت كلمة الترك الجزء الأكبر والأكبر من الشعب التركي وقد أشار إلى ذلك المروزي في الصفحة 18 (فلما وصل إليهم الإسلام اسلم بعضهم فسموا التركمانية وغلبوا الكفرة وطردوهم ، ثم يضيف (وانتشر التركمان في بلاد الإسلام واحسنوا فيها السيرة حتى ملكوا أكثرها وصاروا ملوكا وسلاطين)، ومن بين هذا الكم الهائل من القبائل وبطونها وأهمها إمبراطورية الهون كوك تورك حيث أشار إليهما زكريا كتابجى في الصفحة 40 من كتابه (الترك في مؤلفات الجاحظ) معتمدا على ما جاء في الصفحة 18 من كتاب المروزي وكذلك في

Turkiye Tarihi T.. Yilmaz Oztuna … cild 1 sah 122 ، إضافة الى العديد من الدويلات والإمارات وأسرهم الحاكمة لملوكها ورؤسائها المنتشرة فوق المساحة التي ورد ذكرها. تمكن اوغوز خان من بذر النواة الأولى حيث أسس أول دولة حاكمة مستقلة في التاريخ وقد سن لها القوانين ووضع أسس النظام وتبعها الذين جاءوا من بعده وعد بطلا قوميا خالدا لما عرف عنه من البطولات فليس من العجب أن يفتخر به عثمان الأول مؤسس الإمبراطورية العالمية الإسلامية بانتسابه إليه وقد جاء في الجزء الأول الصفحة 9 من كتاب (عثمانلي تاريخى) لمحمد عارف ونجيب عاصم (عثمان ارطغرل اوغليسك .. اوغوز قره خان نسليسك) ومعناه (أنت من أبناء ار طغرل يا عثمان ..اوغوز خان قره خان من أجدادك).

واستمرارا لكشف القناع عن حقائق التاريخ يستمر تدوينه المعبر عن الأصول الأصيلة لتفرعات جذوره الممتدة طولا وعرضا على مساحة شملت اكثر من نصف العالم  في قارات آسيا وأوروبا وأفريقيا ومع تعاقب الموجات  البشرية نحو العراق ارض الرافدين حيث كان التركمان  إحداها ومنذ آلاف السنين حتى شكلوا ثقلا له وزنه وحسابه ليتمكنوا من نيل شرف خدمة الإنسانية والمدنية جمعاء عندما ساهموا في زرع نواة الحضارة من خلال الاتابكيات والدول والإمبراطوريات التي أقاموها في الأقصى والأدنى وقد كانت أرض العراق الحالي جزءا منها ولقرون عديدة ذلك التاريخ المشرف الذي كان يُدرس في المدارس ضمن مناهج كتب التاريخ وفي جميع المراحل الدراسية  إلى وقت ليس ببعيد من سبعينيات القرن  العشرين ضمن تاريخ العراق الذي ورد فيه  ذكر السلاجقة والجلائرية والاق قوينلو وقره قوينلو واتابكية اربيل والموصل وسنجار والايوائية في كركوك لتكون خاتمة المسك الدولة العثمانية ، وعند إجراء مقارنة بسيطة بين هؤلاء أصحاب الجذور المتأصلة وبين الاستعمار بشتى أنواعه وأشكاله رغم أنها لا تقبل ذلك لافتقارها إلى ابسط مقاييس المقارنة النوعية نجد الفرق بينهما واسعا وكبيرا حيث لم يترك الأخير سوى الأنين والونين سياسيا واقتصاديا واجتماعيا إضافة إلى الجهل والفقر والمرض في المجتمعات التي تواجدوا فيها بينما نجد موروثات الجذور شاخصة في كل ارض وطأت أقدامهم فيها وما تركوا من آثار ثقافية ومعمارية ومواقف عسكرية سياسية مشهودة في زمن العصر على الزمان إزاء مواقف السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله هذا إضافة إلى إصلاحات مدحت باشا الإدارية في مجال التعليم والثقافة والقضاء  والمالية والمواصلات إلى جانب الاهتمامات العسكرية والخدمات العامة ناهيك عن الإعمار والبناء من قبل السلاطين والولاة ليس في العراق فحسب بل في عموم الساحة التي كانوا فيها . على سبيل المثال لاالحصرالقناطر الخيرية في مصر مع محاولات محمد علي باشا في بناء دولة مصرية حديثة وإنجازاته في الصناعة والزراعة والتجارة إضافة إلى اهتماماته الواسعة في تطوير الجيش وإنجازاته في مجال الثقافة والتعليم ، أما في سوريا ولبنان فان أعمال جمعية المقاصد الخيرية ونجاحها في إنشاء العديد من المدارس والتي جاءت بأمر من الوالي العثماني معروفة في تاريخ تلك الدولتين الآن كذلك جاء صدور صحيفة الفرات الأسبوعية باللغتين العربيةوالتركية حالها حال اغلب الصحف التي كانت تصدر في الولايات العثمانية آنذاك نتيجة تأسيس والي حلب جودت باشا مطبعة حكومية فيها وان الثورات والانتفاضات التي قامت ضد الاستعمار في جميع أقطار الوطن العربي منذ احتلالها لا تقاس بل ولا تذكر عندما كانت تلك الأقطار ضمن حكم وإدارة الدولة العثمانية وهي تطالب استقلالها الذي لم تفتأ تفكر به إلا عندما أصبحت تحت إدارة الانتداب ، وما اكثر المواجهات بين شعوب الدول المحتلة من المستعمر ( الإسباني ، البرتغالي ، الفرنسي ، الإيطالي ، البريطاني ) في فترة لم تتجاوز القرن ومنذ ظهور الاستعمار القديم والحديث التي قرأناها في الكتب التاريخية كأحداث معاصرة ومن اشهرها (سياسة الاندماج و حادث المروحة في الجزائر)  و( حادثة الترام ومقبرة الجلاز في تونس) و(معركة أنوال وأزمة أغادير في المغرب- مراكش) و(المحكمة الطائرة في ليبيا ) ثم (مذبحة كوبري ومجزرة الإسماعيلية وحادثة دنشواي في مصر) و (ازمة فاشودة في السودان) أما في العراق فأن الانتفاضات والثورات ومنذ 1920 وإنتهاءاً بثورة 1958 وبينهما من الاحتجاجات السلمية بالمسيرات والمظاهرات والمصادمات المسلحة بالثورات والانتفاضات التي نعرفها جمعيا كوننا أبناء هذا البلد الذي طالما عشنا ونعيش عليها سرائه وضرائه والى أخره من الوقائع التي لم تذكر مثيلات لها في التاريخ خلال قرون الحكم  العثماني وهذه الصفة او الحالة ايضا امتداد لتلك الجذور التي حملت  المشعل والراية ، أنها الحقيقة… الحقيقة  بعينها الدامغة لكل الأباطيل الإفتراءات ،.

أن الحكمة التي ورثناها من أجدادنا تقول (الذي ليس له ماض ليس له مستقبل ) وبعبارة أخرى ( من لا يعرف ماضيه لا يمكن ان يكون أهلا او صاحب مستقبل )  وان جذور تجارب الاف السنين وهي نتاج  أفكار وعقول أولئك الرجال العظام تعد ثمرة أرث كبير من الواجب استثماره بالاهتمام  والتفكير وإيصاله للأجيال القادمة بكل صدق وأمانة.

 أن استذكار ما سبق ليس تباكيا على الماضي وتمجيدا للسلاطين والتحسر على زمن مضى بالحكاية والرواية كعادة القصاصين وراة الحوادث وإنما نشوة الإحساس بالفخر والاعتزاز تحليلا ودراسة بعد البحث و التقصي وإستقراء جراءالماضي والحاضر لإستلهام الدروس والعبر بالعظة ومعرفة الأسباب ونتائجها تعليلا وتفسيرا مما يجعلنا نعتز بانتمائنا إلى تلك الجذور .

Notice: Undefined index: tie_hide_author in /customers/d/7/f/afkarhura.com/httpd.www/wp-content/themes/sahifa/single.php on line 92 Notice: Trying to access array offset on value of type null in /customers/d/7/f/afkarhura.com/httpd.www/wp-content/themes/sahifa/single.php on line 92

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات