الرئيسية / الأخبار السياسية / قصة هروب ساجدة من الحويجة للبحث عن الحرية في طرق الموت الملغم

قصة هروب ساجدة من الحويجة للبحث عن الحرية في طرق الموت الملغم

لم تتوقع ساجدة عمر، انها ستنام يوما بين الألغام بعدما يفارقها زوجها معتقداً انها توفيت، وبقيت مخضبة بدمائها لثلاثة أيام بانتظار معجزة تنقذ حياتها.

ساجدة هربت مع زوجها المنتسب السابق في القوى الأمنية العراقية، حالها حال مئات العوائل التي اختارت الهرب سيرا على الأقدام من سطوة وقسوة تنظيم الدولة (داعش) في مناطق جنوب وغرب محافظة كركوك إلى المناطق الخاضعة للسيطرة الحكومية، في رحلة محفوفة بالمخاطر.

بداية رحلة الموت

حرصت ساجدة على جمع ما تستطيع من ذكريات زواجها الذي لم يمضي عليه أشهر قليلة، لتحملها معها عند الهروب من الحويجة، بينما كان زوجها سعيد محمد يحاول ترتيب هوياته العسكرية ليخفيها في مكان لا يستطيع عناصر داعش اكتشافها في حال قبضوا عليهما.

زوجها سعيد يرجع بذاكرته متألما ويتحدث لـ(كركوك ناو)، “بعد دخول عناصر داعش للحويجة وقراها كنا نتأمل أن لا تتأخر الحكومة في تحريرنا، لكننا يأسنا مع ازدياد الضغط على المواطنين الأبرياء وبخاصة المنتسبين في القوات الأمنية مثلي، فقررت اصطحاب زوجتي والهرب إلى ناحية العلم مرورا بجبل حمرين”.

سيطر تنظيم داعش على قضاء الحويجة (55 كم غرب مدينة كركوك) في منتصف حزيران 2014 جون مقاومة تذكر من قبل الجيش العراقي.

لم يمض على زواج سعيد وساجدة أكثر من خمسة أشهر، وقرروا المضي في ما يسمى بـ”طريق الموت” بحثا عن الخلاص من وحشية وقسوة افراد تنظيم داعش.

يروي سعيد قصة الهروب بقوله، لقد “خرجنا انا وزوجتي مع آذان العشاء من منزلنا وتركنا كل شيء في مكانه لكي لا يحس أحد بنا، ومشينا لساعات بين المزارع باتجاه جبال حمرين من جهة ناحية العباسي (التي يسيطر عليها التنظيم ايضا) والدموع والدعاء كانت رفيقنا خلال السير بين الوديان فالظلام الدامس والخوف من الدواعش أن يقطعوا طريقنا كانت كل ما نفكر فيه”.

الوقوع في حقل الألغام 

 من جهتها، تذكر ساجدة لقد كان “الظلام حالك والخوف يتملكنا، رغم وجود عوائل هاربة اخرى تمشي بقربنا، إلا اننا كنا نمشي بعيدا عنهم خوفا من الألغام وكمائن الدواعش، فزوجي شرطيا سابق، وهم لا يرحمون من يحاول الهروب من بطشهم وبخاصة منتسبي الاجهزة الامنية”.

وفجاءة وبدون سابق انذار، فاذا بــ”شعلة من النار وعصف رهيب والم كبير” اصاب ساجدة في لحظة من الزمن.

يكمل زوجها القصة لقد “انفجرت قنبلة تحت أقدامنا فأصيبت زوجتي بجروح بليغة في ساقها اليسرى واجزاء من جسمها، فحملتها بين ذراعي لكني لم استطع ان اتحرك فقد أدركت اني وسط حقل من الالغام”.

لم يستطع سعيد ان يحبس دموعه وهو يروي تلك اللحظات التي وصفها بـ”القاسية”، وقال “بقيت اصبر نفسي واذكر الله واطلب منه الرحمة فقد ايقنت أن زوجتي توفيت بعدما اصيبت بجروح كثيرة، فكادت تغرق بدمها وكل جروحها تنزف، وانا لا حول لي ولا قوة”.

اقارب ساجدة بحثوا عن جثتها فوجدوها على قيد الحياة بين الألغام

أستدرك سعيد لحظات وأضاف “لم اتحرك خوفا أن ينفجر لغم اخر، ومع بزوغ الفجر أغمضت عيني زوجتي وألقيت عليها النظرة الأخيرة وقرأت على روحها سورة الفاتحة وما أحفظه من الدعاء، وتمكنت وبأعجوبة من المشي والخلاص من الألغام لأسرع في الهرب باتجاه القوات الأمنية خوفا أن تكتشفني كمائن داعش”.

داعش يلغم طرق الهاربين  

 القيادي في حشد الحويجة العميد خلف ابراهيم الجبوري أكد لـ(كركوك ناو)، قيام التنظيم بتلغيم جانبي الطرق التي تسلكها العوائل الهاربة من الحويجة باتجاه ناحية العلم التابعة لمحافظة صلاح الدين مرورا بجبل حمرين، كـ”وسيلة رعب للعوائل ولإثارة الخوف بين الفارين من الحويجة”.

واضاف، “بشكل عشوائي وعلى جانبي الطرق وفي الوديان يزرع الدواعش ألغامهم التي تسببت بمقتل عوائل بأكملها، لإعاقة من يهرب وقتل ما يمكن قتله واخذ فديه مالية مقابل إطلاق سراح من يمسكونه عند انفجار إحدى هذه الألغام”.

ثلاثة أيام ساجدة وحيده بين الألغام

ساجدة تقول لقد “فقدت الوعي واعتقد زوجي أنني مَت، لكن حرارة الشمس أيقظتني فتلفتت حولي فلم اجد أحد، فلم استطع الحركة لقوة جروحي فربطت ساقي اليسرى ببعض ثيابي، لكي لا أرى الدم، وأخذت بالصياح والصراخ عسى أن يسمعني أحد فينقذني ولكن لا مجيب”.

تضيف ساجدة التي لم تبلغ العشرين عاما، لقد كانت “مرعوبة وخائفة” من انفجار لغم آخر تحتها، لذلك بقيت في مكانها عسى ان ينقذها شخصا ما أفضل من المخاطرة بالمشي بين الألغام.

مرت على ساجدة ثلاثة أيام بلياليها وهي لم تتحرك من مكانها، بلا ماء وغذاء

وهي بهذه الحال، مرت عليها ثلاثة أيام بلياليها وهي لم تتحرك من مكانها، بلا ماء وغذاء، فكانت تنزع حذاءها ليلا عسى ان تتجمع فيه قطرات الندى فتبلل بها شفتيها.

بحثوا عن جثتها فوجدوها بين الألغام

أهل ساجدة، وبعد أن وصلهم خبر وفاتها، قرروا بحث عن جثتها لدفنها ولكنهم تفاجئوا بأنها مازالت على قيد الحياة.

.وقال عمها عبد الله جاسم المكنى ابو علي (46 عاما) لـ(كركوك ناو)، لقد “تلقينا نبأ وفاة ساجدة بانفجار لغم، فقررنا ان نبحث عن جثتها لدفنها، وبعد ثلاثة أيام تفاجئنا بأنها على قيد الحياة وسط الألغام، فكانت تصيح علينا أن نحترس من المتفجرات المزروعة”.

يروي أبو علي تفاصيل عملية الإنقاذ، فيقول لقد “تبرع أحد أبنائي وأخذ يمشي على مهل بين الألغام، حتى وصل إليها وحملها إلينا وكانت لا تقوى على الحركة من الجوع والألم والخوف لما مرت به خلال الثلاثة أيام الماضية”.

وأضاف، “سعادتنا لا توصف عندما تأكدنا بأنها مازالت على قيد الحياة، لكن فرحتنا لم تكمل فالدواعش طردونا من مستشفى الحويجة ورفضوا دخولها للعلاج بحجة محاولتها ترك ما يسمونها أرض الخلافة والهروب إلى أرض الكفر”.

طريق هروب جديد

 سلكت ساجدة طريقاً آخر للهرب، لكن هذه المرة محمولة بواسطة سرير متنقل، فهي لا تستطيع السير، واتجه بها أهلها هرباً للساحل الأيمن من قضاء الشرقاط (جنوب محافظة الموصل) حيث القوات الأمنية تستقبل العوائل عند ضفة نهر دجلة.

يقول عمها لقد كنا أمام خيارين اما تركها تموت او المخاطرة والهروب باتجاه الشرقاط، لذلك قررنا الخيار الثاني والهرب حيث استقبلتنا القوات الأمنية والحشد الشعبي وأحسنوا معاملتنا وأسعفوا جروحها وأوصلناها إلى مستشفى ناحية العلم حيث ترقد فيه الآن”.

وناشد ابو علي المنظمات الإنسانية الدولية وخاصة المهتمة بالمرأة، بالمساعدة في علاج ابنتهم، وخصوصا ساقها التي تضررت كثيرا بالحادث الذي أوقف حياتها وأثر على نفسيتها بشكل سلبي على حد وصف عمها.

في احدى غرف مستشفى ناحية العلم، حيث تتلقى ساجدة العلاج، اجتمع شمل العائلة مرة اخرى، وهم ينتظرون تحرير مدينتهم والعودة لمنازلهم.

ملاحظة: سعيد وساجدة وعبد الله هم أسماء مستعارة لأشخاص حقيقيين، يتحفظ موقع (كركوك ناو) عن ذكر أسماءهم الحقيقية خوفا عن سلامة ذويهم المتواجدين في مناطق تحت سيطرة داعش

ياسين السبعاوي
كركوك ناو

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات