الرئيسية / بحوث ودراسات / مستقبل العلاقات العراقية التركية: متطلبات الاستراتيجية الناجحة حسين البياتي

مستقبل العلاقات العراقية التركية: متطلبات الاستراتيجية الناجحة حسين البياتي

o

العلاقات التركية العراقية امتازت بالكثير من التقلبات والتغيرات منذ بداية تأسيس الدولة العراقية وحتى يومنا هذا. لكن الامر المفروغ منه هو ان تركيا بلد محوري مهم في المنطقة ويمثل اهمية اساسية للعراق من الناحية الاقتصادية والجيوسياسية.

من الناحية الجغرافية، تحتل تركيا موقعا ً متميزا ً يربط ما بين دول البلقان والقوقاز والشرق الاوسط. وبالتالي هي البوابة الرئيسية الى اوربا بالنسبة للعراق. كما يحيط بها ثلاثة بحار هي البحر الاسود، والبحر المتوسط وبحر ايجه.هذه الميزة الجغرافية جعلت من تركيا جسرا طبيعيا لنقل الطاقة بين الشرق الاوسط واوربا.

سياسيا ً وثقافيا ً، تركيا دولة مسلمة ذات نظام حكم علماني ديمقراطي، وتشترك بالكثير من العوامل الاجتماعية والثقافية مع المجتمع العراقي من حيث العادات والتقاليد المحافظة.

النقاط الحساسة في السياسة التركية تجاه العراق

هنالك نقاط حساسة في رؤية السياسة الخارجية التركيةتجاه العراق، وعادة ما تكون السبب في اي توتر يحصل بين البلدين.

النقطة الاولى هي حرصها على وحدة الاراضي العراقية ورفضها لتقسيم العراق على اساس عرقي مما يمكن ان يؤدي الى ايجاد دولة كردية على حدودها الجنوبية، الامر الذي سيعرض الامن القومي التركي الى الخطر من حيث احياء آمال اكراد تركيا في انشاء دولتهم الكردية ايضا ً. وتجلى الموقف التركي بوضوح عند الرفض القاطع لاستفتاء اقليم كردستان في اكتوبر 2017 ومعاقبتها لاقليم كردستان باغلاق الحدود لمدة معينة.

النقطة الحساسة الاخرى هي حرص تركيا على ان لا يكون العراق ملاذا ً آمنا ً لعناصر حزب العمال الكردستانيومنظمة “فتح الله كولن”. حزب العمال يعد التحدي الامني الاكبر في وجه الحكومات التركية المتعاقبة. وقد ادى الصراع المسلح بين الـ PKK والقوات التركية الى ما يقارب الـ 55 الف قتيل من الطرفين، بينهم اكثر من 8 آلاف من الجنود والقوات الامنية التركية منذ بدء التمرد الكردي المسلح سنة 1984.

النقطة الاساسية الثالثة هي حماية المكون التركماني الذي لديه روابط قوية بتركيا شعبا ً وحكومة ً والذي يشكل كثافة كبيرة في كركوك وبعض مناطق ديالى والموصل وصلاح الدين واربيل. حيث تحرص تركيا على الاهتمام بالتركمان وتخصيص المساعدات الانسانية والدعم السياسي لهم وترفض ضم كركوك الى الاقليم الكردي كونه سيقضي على الوجود التركماني في كركوك وسيكون نواة لدولة كردستان التي تخشاها تركيا.

طبيعة العلاقات السياسية بين العراق وتركيا بعد 2003

كانت العلاقات التركية مع العراق في عهد نظام صدام مستقرة نسبيا ً، حيث كانت ترى انقرة في صدام شخصا ً قادرا ً على الامساك بزمام الدولة كلها. بعد الاطاحة بنظام البعث سنة 2003، وعدم سماح تركيا للامريكان باستخدام اراضيها في غزو العراق، كانت العلاقات متوترة مع الجانب الامريكي الذي كان منحازا ً الى حلفائه الكرد في العراق. كانت تركيا تحاول الضغط لايجاد حكومة مركزية قوية تسيطر على الحدود الشمالية للعراق وتعارض النظام الفدرالي في البداية، ووصل بها الامر الى منع ممثلي الاقليم من الدخول لأراضيها من اجل التفاوض.

لكن تركيا واقعية وبدلا ً من الاستمرار في معاداة الحكومة الكردية في شمال العراق، بدأت في تقبل الامر والاستثمار في العلاقات مع اقليم كردستان. وبرعاية مباشرة من الامريكان، بدأت العلاقات التركية تشهد تقاربا ً مع اقليم كردستان منذ سنة 2007 .

وفي ضوء استراتيجية تصفير المشاكل التركية الخارجية التي انتهجها احمد داوود اوغلو وبعد شهرين من تسلمه وزارة الخارجية، تم توقيع اتفاقية لانشاء المجلس الاعلى للتعاون الاستراتيجي في تموز 2008 اثناء زيارة رجب طيب اردوغان الى بغداد عندما كان رئيسا ً للوزراء. الهدف الاساسي من هذه الاتفاقية كان التركيز على رفع مستوى التبادل التجاري من 5 مليار دولار سنة 2008 الى 25 مليار دولار خلال السنوات الثلاثة التالية للاتفاق، بالاضافة الى ايجاد لجنة تحل المشاكل وتقرب وجهات النظر بشكل كفوء من خلال لقاء رئيسي وزراء البلدين مرة واحد كل سنة على اقل تقدير فضلا عن لقاءات دورية بين عدد من وزراء البلدين.

وفي خطوة تشير الى اهمية العلاقات مع العراق من وجهة النظر التركية، قام اردوغان بزيارة اخرى الى بغداد في السنة التالية مصطحبا ً وفدا ً رفيع المستوى من الوزراء ورجال الاعمال، وتم توقيع 48 اتفاقية بين البلدين ضمن اطار المجلس الاعلى للتعاون الاستراتيجي تشمل الطاقة والنفط والكهرباء والمياه والصحة والتجارة والبيئة والنقل والإسكان والإعمار والمواصلات والزراعة والتربية والتعليم العالي والدفاع والأمن.

لكن شهر العسل (السياسي) لم يدم طويلا ً بين البلدين. فعلى الرغم من استمرار حجم التبادل التجاري بالنمو، الا ان الخلافات السياسية بدأت تطفو على السطح بعد تجديد الولاية الثانية لرئيس الوزراء نوري المالكي سنة 2010، حيث كانت تركيا تدعم قائمة العراقية بقيادة اياد علاوي. وصلت العلاقة الى اسوء مستوياتها عندما قامت السلطات العراقية بملاحقة طارق الهاشمي على خلفية اتهامات بالارهاب، مباشرة بعد خروج القوات الامريكية من العراق.

قامت تركيا لاحقا ً بمنح الاقامة للهاشمي مما ادى الى تبادل الاتهامات بين المالكي واردوغان ووصلت الامور الى حد منع الطيران التركي من التحليق في الاجواء العراقية لمدة قصيرة.

في محاولة لاصلاح العلاقات مع العراق، قام اردوغان بدعوة المالكي الى مؤتمر حزب العدالة والتنمية في نوفمبر 2012، لكن المالكي رفض الدعوة.

استغلت حكومة اقليم كردستان الخلافات بين الحكومة الاتحادية وتركيا للتقارب مع تركيا بشكل اكبر واوضح. ومنحت الكثير من المشاريع المهمة للشركات التركية، من ضمنها مطاري السليمانية واربيل الدوليين، فضلا عن المشاريع النفطية والعمرانية الاخرى. عدد الشركات التركية المسجلة في اقليم كردستان وصل سنة 2019 الى 1421 شركة مما يشكل الحصة الاكبر من الشركات الاجنبية في الاقليم بنسبة 43.6%.

بعد تسلم العبادي سدة الحكم سنة 2014 بدأت مرحلة جديدة من تحسن العلاقات بين البلدين، والفضل يعود لاسلوب التعامل الهادئ الذي اتبعته حكومته حيال الاختلافات بين البلدين. كما ان موقف تركيا الرافض لاستفتاء اقليم كردستان والمتناغم مع موقف الحكومة الاتحادية ساهم بشكل اكبر في تحسن العلاقات مع بغداد.

واستمرت العلاقات بالتحسن في العهد القصير لحكومة عادل عبد المهدي حيث قام بزيارة الى تركيا في شهر ايار بناءا ً على دعوة من الرئيس التركي اردوغان، وكان من المؤمل ان يزور اردوغان العراق بعد ذلك للمشاركة في اجتماع المجلس الاعلى للتعاون الاستراتيجي بين البلدين، الا ان ظروف المظاهرات منعت تلك الزيارة.

بعد تسلم السيد الكاظمي الحكومة الجديدة، لا تزال ملامح العلاقات غير واضحة، على الرغم من وجود بوادر للتأزم في ظل الهجمات التركية على حزب العمال الكردستاني داخل الاراضي العراقية.

العلاقات الاقتصادية بين العراق وتركيا

على الرغم من المد والجزر في العلاقات السياسية، لكن التبادل التجاري استمر بالنمو بين البلدين حتى وصل ذروته سنة 2013 بقيمة اكثر من 12 مليار دولار.

حجم التبادل التجاري بين العراق وتركيا

مما لاشك فيه أن العراق من بين اهم الدول اقتصاديا ً بالنسبة لتركيا، فقد كان ثاني اكبر المستوردين من تركيا بعد المانيا منذ سنة 2011 الى 2015، ثم اصبح بالمرتبة الرابعة منذ 2015  الى 2018، ثم اصبح في المرتبة الثالثة سنة 2019 اخرى متغلبا ً على الولايات المتحدة الامريكية واغلب دول اوربا وكل الدول العربية.

كما ان تركيا تعد المقصد الاول للسياح العراقيين، حيث كانوا بالمرتبة الاولى من حيث عدد السائحين في اسطنبول سنة 2019 وبلغ عددهم 545 الفا ً.