الرئيسية / المقالات الأدبية / لعندليب الحزين فخر الدين اركيج/ جمهور كركوكلي

لعندليب الحزين فخر الدين اركيج/ جمهور كركوكلي

في ذكرى وفاته التاسعة عشرة جمهور كركوكلي
هو من مطربي الجيل الذهبي للغناء التركماني، جيل نشأ ونما ، وذاع صيته مع بداية افتتاح القسم التركماني في إذاعة بغداد في شباط عام 1959 ، مع أنه كان متواجداً على الساحة الغنائية، الا أن افتتاح الإذاعة التركمانية أتاح له الذيوع والأنتشار على نطاق أوسع وارحب.
فكان ذلك الجيل من المطربين الافذاذ، ومنهم بالطبع بل وفي مقدمتهم المطرب الرائع والفنان المثقف فخر الدين اركيج ، الترجمان الحقيقي للفن الغنائي الملتزم ،والمعبّر بصدق عن واقع الفرد والمجتمع التركماني بكل إحباطاته ومعاناته وآلامه، خصوصاً بعد النكبات التي تعرض اليها التركمان في كركوك، بدءاً من مذبحة ( التياريين ) او الجيش الليفي او ما تصطلح عليه العامة ب( ارمني هيجاني ) في أيار عام 1924 ومرورا بمذبحة كاوور باغي في تموز عام 1946 وانتهاءً بمجزرة الرابع عشر من تموز عام 1959 والتي خلفت كلها في ذاكرة الإنسان التركماني صورا بشعة، وتركت في وجدانه ذكريات مؤلمة عن مآسي تلك الأحداث الدموية، تناقلتها الأجيال جيلا بعد جيل، فكان مطربو تلك الحقبة بحق، الصوت الصادق والمعبر عن ذلك الواقع المؤلم، عبر الكلمة المتزنة الرصينة، واللحن المُترجِم لروح البيئة والمناخ الاجتماعي السائد .
فكانت أغنيات ذلك الجيل وبالأخص أغنيات اركيج نسخة طبق الأصل لواقع المجتمع التركماني بحلوه ومُرّه، بفرحه وحزنهَ، لصيقة بأدق تفاصيل الواقع المعاش، فكان جيل الستينيات الذي عايش تلك الحقبة من التاريخ المترع بالآلام والمآسي،يسمع تلك الأغاني ويتواصل معها ويتفاعل بها بوجدانه وحسه، وكأنه يستمع الى ( حكواتي ) يقص عليه قصة حياته وواقعه بكل تفاصيله.
وإستثمر ( اركيج ) إرثه الشخصي من الكم المعرفي بالمقامات وأُصول الخوريات بحكم بيئته التي نشا فيها بمحلة ( بولاغ ) بكركوك، المعروفة بكثرة من برزوا من سكانها من المغنين وقراء المقام لا يسع المقام لذكرهم، ولكن يكفي أن نشير الى واحد من أفذاذهم وهو المطرب الكبير صديق بنده غفور الذي تأثر به أركيج في بدايات دخوله الى عالم الغناء، ومنه أخذ مقام ( البيات ) وغناه بطريقة بنده غفور المعروفة الى يومنا هذا،لكنه خطّ لنفسه طريقاً خاصاً في الأداء النغمي، مع خصوصية صوته المعروف بالبّحة المُحّببة، وقوة قراره وإستحكامه، وتفّردَ بحكم ثقافته الموسيقية، وتذوّقه الأدبي،في أداء الموالات الحزينة والأغنيات ذات الطابع الحزين، فكانت من روائعه ( دوختوروم ياز درمانم) و ( دده م دده جان دده) وغيرهما العشرات من الأغنيات التي ظلت تحتفظ بطرواتها ونضارتها رغم مرور عقود من الزمن عليها، وما زالت ترددها شفاه المغنين، وتلقى رواجاً كبيراً في كافة أوساط المستمعين، لأصالتها، وصدق كلماتها، وروعة ألحانها، بالإضافة طبعاً لروعة صوت مؤديها …
واليوم حين نستذكر الفنان الكبير فخر الدين اركيج في ذكرى وفاته التاسعة عشرة ، فحريّ بنا الى جانب ترحمنّا على روح مطربنا الكبير اركيج، أن نترّحم أيضاً على حال الغناء التركماني الحالي الذي بات هو الآخر في جعداد الموتى والراحلين، بعد أن نزل في ساحته الطارئون، وعبث به العابثون مع الأسف، فصارأكثر غنائنا لا يمثل واقعنا ولا يمت إلينا بصلة، فلحنه هجين ، وكلماته مخدشة ، نستحي أن نَسمعها أو نُسمعها لغيرنا، لذلك فأن أكثر أغنيات اليوم ، يتلاشى وينتهي في وقت قصير، بينما لا زلنا نردد اغنية ( التون خزماو ملايم ) رغم أن عمرها تجاوز قرناً من الزمان ….!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.