الرئيسية / المقالات السياسية / إنتليجينتسيا تركمانية // مراد عبدالواحد صالح 

إنتليجينتسيا تركمانية // مراد عبدالواحد صالح 

كثيراً ما استغرقنا في الأفكار وأكلتنا الهموم ونحن نحاول استشفاف مستقبل قومنا ومجتمعاتنا ووطننا، ونعمل جاهدين لتلمس الطريق الآمنة للخروج من الدركات التي وقعنا فيها، وكلامنا هنا عن واقعنا التركماني يصدق أيضاً على واقع العراق بنسبة كبيرة!

وهنا ومنذ البداية يجب التأكيد أن وصف الداء لا يعني بأي شكل من الأشكال الاستسلام له، بل هو من قبيل تشخيص المرض للوصول إلى العلاج الناجج .

هموم المجتمع التركماني للمراقب الخارجي يبدو سياسية صرفة وعلى مستوى مناصب الدولة العليا ووجودهم في المؤسسات التنفيذية والتشريعية بما يناسب ثقلهم السكاني، أو ما كان قبل التغيير الديمغرافي الممنهج ضد الوجود التركماني، كما يعكسه الإعلام. وهذا بلا شك من أبسط الحقوق التي يجب على مستحوذي السلطة تسليمها والاعتذار للشعب التركماني عن جعل نوابه ورجالاته يرفعون عقيرتهم في سبيل نيل هذه الحقوق، وربما تمضي الامور في قابل الأيام إلى أكثر من رفع الصوت في مجلس النواب أو الإعلام!

فالادارات المتعاقبة تدفع التركمان كما تدفع غيرهم أيضا إلى الشارع السياسي دفعاً لانتزاع هذه الحقوق.

لكن المتأمل في الشأن التركماني يعرف المغزى الحقيقي للحوارية المتخيلة أو الرؤيا التي أوردها أستاذنا الكبير أرشد الهرمزي، الذي يرفد هو وأصحابه في وقف كركوك ونفر آخر قليلون هنا وهنالك، الجفاف الفكري الذي يعاني منه خاصة جاي! في تذيليه على خواطر الزعيم القومي الشهيد عطا خيرالله في كتاب (بزيم كنج) عندما لخص نهج الشهيد نجدت قوجاق بالإستقامة والوفاء والتضحية! وناقش الزعيم الشهيد عطا خيرالله خلجاته واعتذر لجيله بأنهم قد فعلوا ما وجب عليهم ولكن السالكون والأوفياء الصادقون قلة نادرة. وأراه مونولوجاً داخلياً أكثر منه حوارية حاول كاتبنا الكبير استفراغ الهم القومي وشعوره بالخذلان لعدم قدرتهم على إيجاد الجيل المنشود (جيل عاصم) بتعبير شاعر الاستقلال عاكف!

إذاً المشكل أعمق من المسألة السياسية التي لا ينبغي الانسحاب منها يقيناً بل تعضيدها ومحاولة إعادة هيكلة مؤسساتنا السياسية واختيار الأشخاص الأكفاء للتصدي للمسؤوليات الجسام فيها من خلال التنقيب والتشخيص والتكليف والتأهيل لا من خلال دوائر الولاء والظواهر الصوتية والجهال المشرأبين للمناصب.من أجل البقاء، والمسألة وجودية بكل تأكيد، نحتاج إلى معالجات تصل إلى أعماق العلل المتغلغلة في المجتمع التركماني.

ولكن قبل ذلك نحتاج إلى تشكيل النخبة المثقفة المؤثرة التي لا أجد في المعاجم العربية والتركية مفردة أصيلة للتعبير عنها كالتي نحتتها علوم الإجتماع السياسي الغربية معربة بكلمة إنتلجينتسيا!

أن هذه الكلمة Intelligentsia لا تعني مجرد مجموعة من آحاد المثقفين Intellectuals بل مجتمع المثقفين التي تستطيع توليد الأفكار ضمن دائرة تفاعل مستقلة، وهي النخبة التي لها القدرة على تشكيل الحياة والتأثير على السياق السياسي الرتيب وتوجيه مساراته إلى الأصلح.

ونحن في المجتمع التركماني نفتقد إلى هذه النخبة.هذه النخبة تعمل بزخمها المعنوي والفكري على توليد وتوجيه تيارات مجتمعية تعمل على تنشيط الحياة الفكرية وإيجاد محركات سياسية تدفع المجتمع التركماني إلى الانخراط الفاعل بالحياة السياسية وصياغة الخطاب القومي الداخلي والوطني الخارجي لإعادة هذا المكون إلى المكانة التي تليق به ضمن الوطن العراقي والتعريف اللائق ضمن العائلة التركية العالمية.

ويظل البعد التربوي القومي والخلقي العام هو الأعمق والأخطر ولا يمكن مباشرته من قبل هذه النخبة بشكل مباشر ولكن يمكن لها وضع الخطط وصياغة آليات للشروع بالبناء الصحيح التي تؤتي أكلها بمدة قد تستغرق عمر جيل كامل أو جيلين للخروج بالجيل المنشود.

هذا المشروع ينبغي له أخذ الشعث القومي بنظر الإعتبار والتشتت الذي أصاب المجتمع التركماني لأسباب لا يستوعبها مقال مثل هذا ومعروفة للمهتمين بالشأن التركماني وفي مقدمتها التهجير والهجرة للأفراد وللنخب الفكرية التركمانية لذا يجب العمل في إطار مجتمع الشتات diaspora مستفيدين من أدواة العولمة والتكنولوجيا لربط مثقفي الداخل العراقي بتركيا والعالم ضمن محافل إلكترونية فيها الشبه بالصالونات الثقافية الفرنسية في القرنين السابع عشر والثامن عشر وفيها الشبه بالمنتديات التي تجري فيها الحلقات النقاشية الرامية لبلورة الرأي في الشأن التركماني العام، والتي لها القدرة على أن تجمع هذه النخب الفكرية في حضور يومي دائم تستفيض فيه النقاشات وتستجيش فيه الأفكار ويعود المثقف لاستنشاق الحياة وتعود الأمة بهذه الأنفاس إلى الحياة مرة أخرى.

مراد عبدالواحد صالح

8 / 9 / 2020

2 تعليقان

  1. يلدرم حسني زاده

    تحليل جميل وصحيح و الأجمل من كاتب الشاب هذا ما برجوع المجتمع وان المجتمع متعتش إلى نخب الشباب إعطاء رأيهم في اي مجال الكان يخص المجتمع ومثقفيهم شكرا للمقال

  2. نشكر اهتما مك الموضوعي وبارك الله فيكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.