الرئيسية / المقالات السياسية / ( الثقافة بين الإنجماد وزمن المتغيير )

( الثقافة بين الإنجماد وزمن المتغيير )

ثمة صدفة تستولد عندك في لحظة ما، احساس مزلزل وكأنما كنت في غفلة لآمر معين، وتعيد كل حساباتك والأهم ان ترتب أولوياتك حسب الأهمية. عندما قرأت حكاية سردية للكاتب المبدع (محمد هاشم الصالحي) والمعنونة بـ ( شريط إحصائي)، وقد اطلق الكاتب هذه التسمية ايضا على كتابه الصادر حديثاً وهو يسرد فيها عن معاناة التركمان في العهد المقبور اي قبل عام 2003 عندما كان ذلك النظام البائد يسلط كل قواه و جبروته علينا وعلى بقية الشعب العراقي بالتساوي و بالعدل لغرض ارضاخنا والانحناء له فحسب لا لغيره. حيث هو ومريديه هم أرقام والبقية صفر. سرد الكاتب (محمد هاشم الصالحي) والذي يمثل إدانة لعصر المقبور ووثيقة تاريخية لتوثيق تلك الأزمنة الغابرة. ومن هذه النقطة انطلقتٌ لتحديد الغبن والاجحاف اللذان وقعا علينا بعد مرحلة العراق الجديد المتشكلة بحلةً لم نتقن لبسه، وأصبحنا متساكنين في السٌخط والتباكي على الظلم الذي غادرنا ومن دون استثماره ودخلنا منذاك إلى مرحلة (المراوحة في مكانك). أن أية مراجعة فكرية لما آلت إليه أحوالنا، تؤكد وبالعقل المحايد باننا نحن المسؤولون عما أصابنا من القنوط والإحباط ليس غيرنا. ذلك لأننا وبصراحة مؤلمة أصبحت كل همومنا وكياننا وحياتنا سياسة في سياسة ونسينا بل وأهملنا بشكل قاتل ومع سبق الاصرار كل قوانا الناعمة مثل (الموسيقى، الرواية، القصة، المسرح، الرسم، الفرق الرقص…. الخ (. هكذا تضخمت عندنا السياسية بشكلها سرطاني، واصبح شغلنا الشاغل هو السياسة. الكل ينتقد الكل ولا مفر للجميع من السهام الموجهة لبعضهم لبعض. استولت السياسة على كل مفاصل حياتنا وبكل وقاحةٌ، والجميع يتذكر من ماضينا وكيف كان ينشط ويعمل نادي الثورة الرياضي والذي كان بمثابة دولة التركمان المستقلة في العراق وكذلك نادي الإخاء وكلاهما لعب دور الحاضنة والسياج لحفظ الموروث التركماني وإبراز وجهه مضاءً ناصعاً. مؤسستان كانتا بمثابة الركيزة القوية لدعم الشعب التركماني لصد كل من يحاول تحجيمه وتصغيره. والشاهد على دورهما المهم والمفصلي في حياتنا آنذاك هو معادات النظام السابق لهما والعمل على أستفراغهما من محتواهما القومي والنضالي وجعلهما ديكوراً لتزيين حكمه الفاشي. وكان يفترض علينا أن ندرس أحوالنا السابقة بكل حكمة وتشخيص نقاط الضعف فيه لكي نستخرج دورساً منها لغرض تحصين حياتنا ضد لكل غاشم متهور والذي يخطط ويعمل لمحو سعادتنا واحباطنا مرة أخرى. لذا أود أن أؤكد ماذا تعني القوى الناعمة والتي برأي هي سر قوة التركمان؟ القوة الناعمة هي كل الفنون الابداعية والتراث والعادات وتقاليد… الخ. لأن هناك أشياء من الضروري المحافظة عليها لكي يتم إيصالها سالمة إلى من يأتي من بعدنا من الأجيال اللاحقة بسبب قيمتها الرمزية أو المعنوية العالية. هذه الرمزية ستكون مستمرة ودون انقطاع بين الأجيال ومما تجعلنا نشعر بالانتماء إلى هذه الرمزية (مكان، تقاليد، نمط الحياة….) ومصانة بأمانة من قبل شعبنا.

أذاً أين نحن من المبدعين التركمان والذين يحاولون ويجاهدون بكل صمت وتضحية ونكران الذات من أجل حفظ هذه الصلات وجعلها مستدامة لكي تبقى شواخصا في الواقع و في ذاكرة الإنسان؟ هذه الشواخص التي تكمن في أصالتها وستكون الدافع والمحفز للسير نحو المستقبل، ومهما كانت اشكال الإبداع هذه فأنها تمثل جزءاً من الواقع وستكون من الموروث الثقافي وهذا الموروث هو ذاكرة للأفراد والشعوب ومصدر انتماءها لماضيها وتَركَتها لجيل المستقبل، فأن آمر تشجيعهم ودعمهم (للمبدعين)، ستكون دعامة صادة لكل من يحاول أن يدفع التركمان من (خانة) الشعب إلى ( خانة) الجالية.

كلنا مررنا بتجربة الاحتلال المدني لحزب البعث الفاشي لكركوك وكيف طغى فئةً تمثل ثقافةٍ معينة على ثقافتنا، لكون ثقافتهم مغايرة لثقافتنا. شاهدنا كيف تم تشويه الموروث الثقافي عن طريق خلط وتشويه ثقافة كركوك عامة، وبدأت تغير إرثنا عاداتنا وتقاليدنا بحسب تلكم المؤثرات. لكننا انتصارنا وسننتصر على أية ثقافة مغايرة لثقافتنا، لأننا نمتلك ثقافة رصينة وذات اصالةٍ وغير ضعيفة وهشة. ان (هيام لكركوك هو المحك فقط لهوية كركوكلية)، ولأن من الميزات الأساسية لهذه الهوية تتمثل في اصالتها ونقائها التي تطرد كل عنصري وشوفيني. ولا تقبل هذه الهوية الثقافاتٍ الهجينةٍ، بل تقبل ثقافة مشتركة مع الجميع ومتفاعلة من قبل الجميع. وكما كانت جماعة كركوك والذين ابدعوا وخلدوا اسم كركوك، أذاً أين نحن منهم؟ والسؤال الأهم والمطروح بإلحاح هو أين نحن من المبدع الأستاذ فاضل حلاق والذي وثقَ حياتنا بكل تفاصيلها المحببة من منطقة طفولته (سوق القورية، أحمد آغا، شارع الأوقاف) وهو بمثابة تشيخوف التركمان. اين نحن من المبدع جلال بولات مترجماً وكاتبا روائيا والذي ابدع وسَطَرَ من أجمل روايات التركمانية؟. وراويتهٌ (مزرعة العظام) والتي تؤرخ مرحلة دخول الإنكليز إلى كركوك، لهي توثيق لذلك التاريخ وكل باحث أو مورخ أن أراد أن يعرف حقيقة كركوك فإنها بمثابة خريطة معاناة لأهالي كركوك آنذاك. أين نحن من فاضل العزاوي والذي كتب أكثر أعماله أبداعا في رواية (آخر الملائكة، عن محلة جقور) والتي طٌبعت منها خمسة ملايين نسخة في أمريكا. حيث كتب مقدمتها الفيلسوف الإنكليزي كولن ويلسن وقبل سنة تم الاحتفاء به وبروايته (آخر الملائكة) في برلين وذلك بصدور طبعتها ألمانية. اعتقد لو قرأ كل تركماني هذه الرواية لعرف ماذا كان يعني التركمان آنذاك. كما وتثبت هذه الرواية كالوثيقة الدامغة لمن كانت كركوك وضد من.

أين نحن من استاذ نجاة كوثر والذي رسخ هوية كركوك رسوخاً لا يتزعزع؟ الذي جعل من التاريخ مسروداً جميلاً محبباً لكل النفوس وهو بهذا يستحق محبة كركوك ومحبتنا له.

أين نحن من دكتور إبراهيم إسماعيل والذي ثَبَّتَ تضاريس الجغرافيا البشرية لمحبوبتها كركوك؟ لتبقى ما كتبه في سجلات حية ومحفوظه ومصانة للأجيال القادمة.

أين نحن من الأفاضل ادباء طوز خورماتو؟ (سأكتب عنهم بالتفاصيل قريبا).

أين نحن من ادباء تلعفر و كانمأ تلعفر صحراء جرداء ليست فيها سوى كلام السياسة؟ بينما كان الفنان المبدع أكرم طوزلو يشعلها نارا عندما كان يغني في تلعفر منذ زمن مضى، حيث كانت مشاعرهم القومية تلتهب لهيباً.

ان اية مدينة في العالم تٌمثل أبعاداً مختلفة اجتماعية كانت أو سياسية أو اقتصادية أو تجارية أو ثقافية، فضلاً عن تركيبتها السكانية، فلها ارتباط وثيق وقوي بالإنسان.

فبغداد واسطنبول اخذتا شهرتهما منذ القدم واستمرت إلى يومنا هذا. وكذلك بقية المدن والسبب هو تقديم الكتاب لهذه المدن وهم تنفسوا بهواء مدنهم وصوّروا في رواياتهم تفاصيل هذه المدن المعروفة بأسواقها وشوارعها وازقتها وحكايات ساكنيها وثقافتها وموروثاتها الشعبية كما فعل مبدعينا جميعا.

أذا كانت قاهرة ابنة نجيب محفوظ، واسطنبول ابنة أورهان بأموك، ودبلن أبنة جميس جويس وبغداد أبنة غائب طعمة فرمان.

حتما كركوك أبنة من تحوز على محبتها وكتب عنها متفانياً وذائباً في عشقها ومريداً في مدارها البهي.

الباحث

نبيل بكر أوغلو

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.