الرئيسية / المقالات السياسية / التركمان والفضاء الوطني الخانق بقلم: مراد عبدالواحد صالح

التركمان والفضاء الوطني الخانق بقلم: مراد عبدالواحد صالح

لا يزال المشهد السياسي على رتابته، ويضطرنا لوصفه إلى استخدام المصطلحات التجزيئية، فالتركمان مُقصَون، والقوى الشيعية غافلة عن الهوة التي تتسع بينهم وبين المستقبل وعن الفرصة التاريخية التي تتسرب من بين أصابعهم في أن يكونوا عماد الخيمة، فلا هم أقاموا الدين على مراد الإمام ولا هم أقاموا الدنيا على سياسة السلطان، والسنة يأكلون قواهم فيتقسمون ويتقزمون، والكرد مستمرون في جولاتهم مع العراق،والمكونات الأخرى مغادرة تاركة الوطن بألوان أقل تداخلاً وأكثر تبايناً وفجاجة، وأبناء الوطن يتظاهرون ولا يزالون.

لم يستطع السيد الكاظمي تشكيل )كابينة العراق(! نعم، فغياب التركمان عن الحلقة القيادية الأولى للسلطة التنفيذية لدورات متعددة يجعل الصبغة الوطنية للكابينة باهتة. واضطر لتشكيل(مجلس وزراء القوى السياسية) حتى لا يلقى مصير سابقيه من المكلفين، وقد عبر في مناسبات عديدة عن رغبته وعزمه على استيزار شخصية تركمانية، لكن التصويت على الوزراء يجري تحت قبة البرلمان ومن قبل الكتل البرلمانية. هذا هو ما يبدو عليه المشهد، أقولهاولمّا ينه الكاظمي تشكيلته، وأتمنى أن يفاجئنا في الأيام القادمة بإرادة يكسر رتابة المشهد السياسي وانغلاقه، فالعجلة الدولية والإقليمية التي جائت به ما زالت دائرة وستطحن من البذور ما يسد رمق المؤمنين بالعراق في زمن غيبته!

الحقيقة أن قتامة المشهد السياسي في العراق لا تبدأ من تشكيل الحكومة ولا تنتهي بالفساد المستشري أو نضوب الموارد واقتراب افلاس الخزينة بل تستمر في كل مفاصل الدولة العراقية وربما من أبرز مشاهدها التي أطلت سنويتها الثانية علينا قبل حوالي الأسبوعين هي التزوير الواسع و(المبرمج) تقنياً في نتائج الإنتخابات الماضية التي لعب التركمان دوراً كبيراً في كشف سوئتها وتعريتها للرأي العام العراقي والعالمي من خلال تظاهرات الساحة الزرقاء لمدة 28 يوماً ولم يرجع المتظاهرون إلا بعد أن خاطبتهم قيادة الجبهة التركمانية بإنهاء الاعتصامات أمام المخازن التي ضمت المبرز الجرمي المتمثل بالصناديق الانتخابية التي تحوي أوراق ونتائج غير التي يظهرها الماسح الإلكتروني الخاص بكل صندوق! وذلك بعد أن أدت الجماهير ما عليها وأحيلت الإثباتات القاطعة إلى اللجنة المشكلة بأمر رئيس الوزراء الأسبق وفي عضويتها رئيس جهاز المخابرات التي كان على رأسها في ذلك الوقت رئيس الوزراء الحالي.

وعلى نفس الوتر الكئيب يعزف مجلس المفوضين للمفوضية العليا المستقلة للإنتخابات بتعيين أشخاص متورطين في التزوير بإنتخابات 2018 في مكتب كركوك! في خطوة تعاكس ليس فقط البرنامج الحكومي وإنما القيم الإنسانية المتمثلة في الحق والعدالة!!!

المؤشر التركماني في بورصة الوطن أصدق المشرات على صحة العراق، وهذه الفضيلة التي يتسم بها التركمان ليست نظرية فحسب بل هي فضيلة عملية نابعة من إلتقاء المصلحة القومية للتركمان مع مصلحة الوطن لموجبات جيوسياسية لسنا هنا بصدد بسطها، وهي الأجدى والمعول عليها في السياسة.

وقد شهدنا أوقات عول عليها الكتل والسياسيين (الكبار!) على صلابة العود التركماني في احراز الشفاء للرجل المريض من دون أن يدفعوا هم الثمن بخسارة الحليف، لذا أقترح على الدارسين للشأن العراقي اتخاذه معياراً على الروح الوطنية رغم فرية العمالة القديمة والمملة والتي تنم عن جهل بتاريخ العراق والمنطقة وأنماط الاجتماع السياسي للأثنيات والقوميات التي عاشت على ترابه.

هذه الفضيلة العملية ليست اضطرارية بل ضرورية، لأننا نرى أنهم في بداية تكوين الدولة العراقية الحديثة يخيّرون فيختارون العراق عندما أعطوا فرصة عام لنيل جنسية أخرى مقابل ترك الوطن فأبوا. وهي ضرورية لأن جغرافيتهم السياسية مرهونة بوجود الدولة القوية العادلة.

أسوق هذا الحديث لصنفين من العراقيين؛ لمن لم يعرف بعد من هم شركاء الوطن التركمان، ولقسم من التركمان الذين يتسائلون عن سبب التزام النهج الوطني في السياسة التركمانية كما لا يلتزمه غيرهم!

رغم ما تقدم فالالتزام بالمبادئ لا يعني الجمود في السياسة، فكل هذا الإصرار على تغييب الوجود التركماني عن الخارطة السياسية العراقية يُلزم الساسة التركمان بمراجعة خياراتهم الاستراتيجية ضمن متاحات الدستور ومعطيات الواقع وتوازنات القوى، فالتركمان لديهم الكثير من القوى المعطلة والسمات الجيوستراتيجية التي يمكن تحويلها من نقاط ضعف إلى مواطن القوة بما سيصنع الفارق التاريخي لو أحسنا استكشاف المصالح للأطرف الفاعلة وتحديد البدائل وإقامة التحالفات السياسية الصحيحة التي تخدم مصالحنا المباشرة ومصالح الحليف، فالوزارة ليس السقف بل إحدى مفردات الشراكة المقبولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.