الرئيسية / المقالات السياسية / الجوامع في زمن الكورونا : محمد هاشم الصالحي

الجوامع في زمن الكورونا : محمد هاشم الصالحي

لا يخفى على احد منا الدور المهم لرجال الدين في الارتقاء المجتمعي الصحيح. ولا يختلف اثنان على اهمية المنابر والخطب والمواعظ الدينية التي تقدمها هذه الشريحة المهمة في المجتمع لنصح الامة.
فمع انتشار وباء فايروس كورونا في العراق استنفر الجميع الهمم لمواجهة هذا الوباء. الحالة جديدة ولا تشبه الحروب التي عشناها سابقا. فانت غير معفي من الاصابة بالمرض لمجرد كونك مدنيا لا تشهر السلاح وليس لك ناقة ولا جمل في الصراعات العسكرية المسلحة.

وان كنت جالسا في عقر دراك او تخرج تمشي في ظل الحائط فقط لشراء قارورة ماء او كسرة خبز تسد به رمقك من محل قد تجده مفتوحا بين الازقة والدرابين، فانت في مواجهة العدو وانت هدف للعدو. الامر الذي ولد لدى الناس حالة من الهيستيريا صعبة للغاية.
الاصعب في الامر هو عدم معرفة النهاية وما ستؤول اليه عواقب الامور ومتى ستنجلي هذه الغمة. ففي تاريخ 25 شباط 2020 اغلقت المدارس ابوابها، وفي 17 اذار 2020 اعلن عن متع التجوال التام في البلاد ولغاية 11 نيسان 2020 اي لمدة 18 يوما. وفي تأريخ 30 آذار 2020 اعلنت خلية الازمة عن تمديد حظر التجوال الى يوم 19 نيسان 2020 اي ستكون المدة 25 يوما.
مشهد صعب للغاية وخصوصا بعد ان منعت محطات البنزين الحكومية والاهلية من تجهيز المواطنين بمادة البنزين لشل الحركة. الاسواق مغلقة تماما والشوارع ينتشر فيها قوات الشرطة ولا اثر للسابلة فيها. انها مدينة الاشباح التي كنا نسمع عنها في الافلام ونقرأها في الكتب وخصوصا بعد زوال الشمس وحلول الظلام.
وكنتيجة طبيعية جدا فان الحالة النفسية للفرد قد أصبحت متدهورة في خضم الخشية الكبيرة من الاصابة بهذا الوباء القاتل وتعطل كل شيء. الكل يخشى على اهله وعياله فالأخبار اصبحت تتناقل بين العامة بسرعة كسرعة انتشار الشرارة في زرع يابس.
التجمعات البشرية ممنوعة كإجراء احترازي وبحسب ذلك فان الجوامع والمساجد مشمولة ايضا بإغلاق ابوابها امام المصلين. وبذلك قد حرم المسلمون من صلاة الجماعة وكذلك من صلاة الجمعة. الامر وقائي ولا يمكن لاحد الاعتراض عليه بطبيعة الحال والاحوال. الا ان الذي جذب انتباه العامة هو زوال دور الائمة والخطباء واختفائه في مرحلة كان الناس بأمس الحاجة الى النصح والنصيحة والتذكير. فكان بإمكان امام الجامع ان يلعب دورا في بث روح الصبر في انفس المسلين من باب قوله تعالى (اصبروا وصابروا).

كان بالإمكان دعوة الناس الى المرابطة والتقوى لعل الله يحدث خيرا. كنا نتمنى ان يقوم امام الجامع او المسجد بإلقاء المواعظ الدينية القصيرة عبر المنابر بعد الصلوات الخمسة وخصوصا بعد صلاة المغرب والعشاء لحث الناس على الصبر والتحمل حتى ولو كان لمرة واحدة في اليوم. ان يقول الامام اصبروا على طاعة الله، وصابروا المرض، ورابطوا في سبيل الله واتقوا الله لعلكم تفلحون.

ان يمسك الامام مكبرات الصوت ويعلم الناس بان الفرج القادم، فإنه مهما نـزل بعبد مؤمن من منـزلة شدة، يجعل الله بعدها فرجًا، وإنه لن يغلب عُسر يسرين. الحث على الصبر على البلاء صعبها وشديدها، وسهلها وخفيفها، والعمل بالتنزيل وإسباغ الوضوء عند المكاره، وكثرة الصلاة فذلكم الرِّباط. فما بنيت المساجد لعرض الامكانيات المعمارية وما وجدت للتباهي والتفاخر لمن يبنيها بقدر ما هي مدراس منها نستلهم الدروس والعبر. فاذا لم تكن الان فمتى ستكون اذا؟
انا شخصا كنت اتمنى سماع المواعظ من مآذن المساجد عن انتشار المرض والعبرة منه. وربط ذلك بالآيات والاحاديث وقصص الاولين التي تكون سببا في التخفيف عن هموم الناس في هذه الشدة وارشادهم الى الارتباط بالله وبالدين اكثر من اية مرحلة سابقة لاسيما وان الناس جالسين في بيوتهم.
كان بإمكان المنابر ان تكون وسيلة لتصحيح اخطاء الماضي وفرصة جيدة لتوعية العامة وتنويرهم بان الذي يحدث هو رسالة من السماء مفادها (عودوا الى الله).
الامر سهل حيث ان الائمة يسكنون في بيوت مجانية قد خصصت لهم داخل الجوامع وهم يتقاضون الرواتب. انهم لا يحتاجون الى الخروج الى الشارع والاختلاط مع الاخرين وبإمكان رجل الدين القيام بذلك بسهولة بالغة. لكن ما حدث هو العكس تماما وقد صمت كل شيء حتى مكبرات المساجد والجوامع ولم نسمع لهم همسا. اغلقت المساجد منابرها كما اغلقت ابوابها وحالها حال اي متجر اخر، فليس كل شيء يتمناه المرء يدركه. وحسبنا الله ونعم والوكيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.