الرئيسية / بحوث ودراسات / عتبات أولية لبسط ثقافة الحوار // د. نوفل أبو رغيف

عتبات أولية لبسط ثقافة الحوار // د. نوفل أبو رغيف

 العديد من الأسئلة الأساسية تتقدم الحديث في هذا السياق وأبرزها كيف يمكن أن نرسخ ثقافة الحوار في مجتمعاتنا ؟

وكيف نسعى إلى تفعيل ثقافة الحوار لجعله مثمراً بنّاءً لا حواراً شكلياً استهلاكياً، وكيف نعمل بالضد من ثقافة الإقصاء عبر تقديم بديل ناجز عنها؟

 كيف نسهم في إشاعة روح التسامح وحسن الظن، وجعله أسلوباً للحياة وطريقَ عملٍ يقود إلى بناء المجتمعات التي تتطلع إلى العيش بسلام ووئام وتحترم قيم الحوار ومبدأ الرأي الآخر، واحترام التنوع أياً كان شكله, فكرياً أم دينياً أم غيره من أشكال التعدد والاختلاف؟

إن نجاح أي مجتمع من المجتمعات لايمكن ترسيخُه وتشييده من دون العمل على تفعيل ثقافة الحوار وإشاعتها .

وقبل أن نشرع باقتراح وتحديد الخطوات التي نأمل أن تكون دليل عمل لبسط ثقافة الحوار، يتوجب أولاً أن نستند إلى مشترك جوهري مفاده أن الأديان السماوية على اختلافها وتعاقبها تدعو لثقافة الحوار وإعماله, ولعل المصداق الرئيس لذلك يتمثل في قوله تعالى {ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن، إن ربك هو أعلم بمن ضَلَّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} (النحل:125)،

إذ أن ماجاء في الآية الكريمة مصداقاً مباشراً لما ذكرناه، ولا يبتعد كثيراً عن ذلك ما جاء في أنجيل يوحنا (في البدء كانت الكلمة) (أنجيل يوحنا 1:1)، والشواهد على ما ذكرناه كثيرة من حسن الحوار والجدال الحَسَن والكلمة الطيبة وصولاً إلى سواء السبيل .

وليس ببعيد عن الأديان السماوية وما ضمته من أخلاقيات الحوار واختلاف الرأي والجدال، فإن النظرة الفاحصة القائمة على استقراء التاريخ الفلسفي ستؤكد لنا بأن بعض الفلاسفة اعتمدوا الحوار أساساً للوصول إلى المعرفة ثم تعليمها وهو الأمر الذي نجده عند سقراط الذي اعتمد مبدأ الحوار أساساً لذلك، وهو ليس بالأنموذج الوحيد، لكنه شاهد كبير على سبيل المثال، وكذا الأمر بالنسبة لتراثنا العربي وليس أدل على ذلك من مقولة أبن عربي التي جعلناها تتصدر محور تفعيل ثقافة الحوار وهي قوله :

(لن تبلغ من الدين شيئاً حتى توقر جميع الخلائق) فهي تحمل في طياتها الانفتاح على الآخر وعدم الانغلاق وأزيد من ذلك فأنها تجعل من عدم الانتقاص أو الاستصغار للآخر واحترامه أساساً ومعياراً للدين، شأنه في ذلك شأن باقي أخلاق الدين وشرائعه وضوابطه .

ولعلنا بعد هذا العرض السريع يمكن أن نخلص إلى أن كلاً من الأديان السماوية أو التاريخ الفلسفي والتراث العربي لم يخلُ من الإشارة الواضحة, بل والتأكيد على قيمة ثقافة الحوار واحترام الآخر وتوقيره وعدم نبذه، وهو مؤشر دلالي على القيمة الإنسانية التي تحملها هذه الثقافة وما يمكن لها أن تحققه من تقارب قائم على المشترك الإنساني قبل كل شيء فضلاً عن الوجه الحضاري لها.

من هنا فإن ما نجده لزاماً علينا هو استكمال ما أسسه الأولون وجعله دليل عمل لحاضرنا، وحريَّ بنا أن نتسابق لتأسيس ثقافة الحوار وتعزيزها بما يتلاءم وطبيعة التعددية والاختلاف التي برزت بحدة في مشهدنا الحالي الذي يمثل حقبة صعبة من تاريخ العراق والمنطقة والعالم. ويمكننا أن نوجز أكثر الخطوات ـــ التي نعتقد بأهميتها في ذلك ـــ لترسيخ ثقافة الحوار وتفعيلها بما يأتي :-

أولاً: التنشئة الأسرية وهي اللبنة الأساسية التي يمكن للفرد أن يتعلم منها أسلوب الحوار والإصغاء للآخر، فالتعنيف الذي يتعرض له الأطفال واستخدام الأساليب القسرية بحق الأبناء، بالتأكيد ستقود -إن لم نقل -تنتج – إلى جيل غير قادر على استيعاب الآخر، بحكم الاضطهاد الذي كان يعاني منه،

ومن ثم فأنه يجد فيه عدواً له، ليمارس بحقه كل أشكال الاضطهاد التي مرَّ بها في طفولتهِ .

ثانياً: التركيز على إعداد المناهج التربوية التي تؤهل الطالب لتقبل ثقافة الحوار ونبذ التسلط وقبول قيم التسامح والتأكيد عليها منهجاً وسلوكاً ولاسيما من قبل التربويين القائمين على تدريس هذه المناهج وإعدادها.

ثالثاً: لم تعد ثقافة الحوار ترفاً فكرياً، بل طريقة حياة وأسلوباً في التعامل والعيش, ومن هنا كان على السياسيين, وهم المعنيون بإدارة المجتمع والقائمون على صناعة واقعه الإداري, سواءً أكانوا سلطات تنفيذية أم تشريعية العمل على أرساء هذه الثقافة، ليكونوا أنموذجاً للاقتداء، لا أن ينتهج بعض السياسيين مهاجمة الآخر والعمل على إقصائه متبعاً بذلك أسلوب التسقيط والتجريح وإتباع سياسة التخوين للآخر، ليجعلها معياراً لانجازاتهم، في وقت يمكن تجاوز هذه الخلافات عبر احترام الآخر ودعوته للاندماج والتواصل والمشاركة في بناء المجتمع بسلاسة وانسياب.

رابعاً: تعمد بعض النخب الثقافية إلى الترفع عبر إعلاء الذات، وتغييب الآخر، متناسين أن العتبة الأولية لفهم الآخر هي معرفة الذات وعدم الانغلاق عليها،  ومن ثم السعي إلى الانفتاح نحو الآخر، لخلق بيئة للتعايش السلمي القائم على احترام الذات والآخر.

خامساً: عدم ممارسة الاضطهاد الفكري سواء أكان ذلك من جهة سياسية أم ثقافية أم دينية أم غيرها من الجهات، والعمل على أساس المواطنة الحقة، وانتهاج السلوك الإنساني إزاء الآخر مهما كان اختلافه إذْ أن أعلى المشتركات بين البشر يجب أن يكون هو المشترك الإنساني .

سادساً: حثُّ منظمات المجتمع المدني على تأدية دورها في التوعية بثقافة الحوار واحترام الآخر، وعدم المساس بقيمه أو تسفيه آرائه، مهما بلغت حدة التقاطع بين الأفراد والجماعات داخل المجتمع الواحد .

سابعاً: إرساء ثقافة الاعتدال والوسطية وإشاعة ثقافة الحب وإحسان الظن بالآخر، شريطة أن لاتقوم الأخيرة على الاستغفال أو الاستصغار، فعند ذلك يعمد إلى وسائل أخرى للحد من ذلك .

ثامناً: وهو الأهم عدم استعمال الحوار من أجل التماحك أو الجدال الذي لايفضي إلى نتائج مرضية كذلك عدم اعتماد الحوار المنفلت بحجة ثقافة الحوار واتخاذها غطاءً، إذْ ثمة محددات لحرية الحوار وهي احترام حرية الآخرين حيث تنتهي حريتي عندما تبدأ حرية الآخر .وقد لاتكون هذه جميع الخطوات التي يمكن اتخاذها مدخلاً والوصول من خلالها إلى مجتمع سليم معافى من الأمراض الفكرية قبل كل شيء، إلا أنها تمثل خطوة أولية باتجاه تفعيل ثقافة الحوار عبر رؤية أردنا لها أن تسهم في بناء الوطن والمواطن على حد سواء، مشتركين ومتشاركين في الرابط الإنساني قبل كل شيء .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.