الرئيسية / المقالات السياسية / التركمـان بعـد 16عـام

التركمـان بعـد 16عـام

كنا لا نفقه شيئا عندما رحل نظام لبعث. كنا نصدق بكل ما نشاهده وبكل ما يقوله لنا ولاة  الامور. سرنا خلفهم مؤيدين لكل شيء ومصفقين ومطبلين، ولم نكن الا مرددي شعارات كتبت لنا مسبقا.

اما اليوم فقد تغيرت الامور الى اقصى حد وقد كشف الستار. عرفنا ان الذي يجري من حولنا ليست سوى سناريوهات وضعت وهي الان قيد التنفيذ. علمنا جيدا ان الامور ليست بيد من نصبوا زعماءً في البلد، وان الجميع موظفين يعملون لدى جهات متنفذة تعمل خلف الستار وهي اكبر بكثير من الجميع.

ها قد مرت 16 سنة وقد توضحت معالم الصورة السياسية واطلعنا على  الكثير من الخفايا. تيقنا ان الملف التركماني ليس ملفا محلياً كما نتصور، ليس شأنا يتمكن رئيس الوزراء او رئيس الجمهورية التصرف فيه. ليس لأية قوى داخلية ان يعطي التركمان حق إدارة حتى مدرسة إعدادية دون موافقة القوى الكبرى. الأمر يعود إلى الإنكليز وحدهم وهم الجهة الاولى والاخيرة التي تقرر مصير التركمان في العراق وهم من يحتفظون بالملف التركماني وليس غيرهم.

نحن التركمان تيقنا ايضاً أن كل الأطراف الموجودة في الساحة اليوم، مرتبطة بالخارج وليس لاحد منهم إرادة حرة تؤهلها لاتخاذ قرار ما وإنصاف التركمان.  ما حدث في تعيينات المديرية العامة للتربية في كركوك من غبن كبير واقع على التركمان وغيرها من المظالم مثل الانتخابات ونتائجها، إنما هي اشارة واضحة بان الحق التركماني إن كان مهدوراً لدى إدارة اربيل هو ايضا مهدور لدى ادارة بغداد. انا شخصاً لا أجد فرقاً كبيراً بين نظرة الإخوة الكرد وبين نظرة الاخوة العرب (سنة وشيعة) إلى التركمان، ولي أن اذكر عشرات الأمثلة لكل من يخالفني الرأي في ذلك. فالطرفين لهم نفس الموقف تجاه التركمان في العراق وكلا الموقفين يخلوا تماما من الإنصاف والعدالة.

إذا فإن التركمان قاب قوسين او ادنى من خطر بالغ يهدد وجودهم على أرضهم. أجد أن الأطراف العراقية قد شمرت عن سواعدها لتنفيذ المخطط الانكليزي الغربي لهضم التركمان في بودقة حقيرة.

المــوقف التركمـــاني وما كان يجب

في خضم هذه التجاذبات والانقباض على الوجود التركماني واستهدافه بالصميم، لم يكن لنا نحن التركمان أية رؤية استراتيجية فعلية للموقف. لم يكن لنا خارطة طريق من شأنه أن يسعفنا ويحفظ لنا ولأبنائنا مستقبلا زاهراً. ليس الاً الدراسة التركمانية التي فزنا بها بعد زوال نظام صدام، وما دون ذلك ليست سوى رقع صغيرة في شق كبير. خضنا نقاشات وحوارات واقمنا ندوات وعشرات المؤتمرات التي لم تنتهي إلى ما يسعف الموقف التركماني، ولا يلومني أحد إذا وصفت كل ذلك بالعقيم ولم يخرج بنتائج ملموسة.

خلال الفترة الماضية إقتصر الهم التركماني على إيصال نواب تركمان إلى البرلمان العراقي، واكبر همنا هو إنتخاب وزير تركماني ونائب رئيس جمهورية من التركمان. وكان الجدال على من سيكون في هذه المناصب ومن أي حزب، أقصد أن التفكير كان شخصياً او حزبياً او فئوياً حتى النخاع متجاوزا المصلحة التركمانية العليا. والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح شديد هو وماذا لو كان لنا وزيراً في الحكومة التي ليس لها ان تتخذ قرارا يفيد التركمان أصلا؟ وماذا تغير عندما كان للتركمان وزيرا في الحكومة فيما سبق وهل افاد غير نفسه؟ وماذا جنى التركمان من هذا الوزير الذي شغل المنصب؟ ماذا تغير في واقعهم الأليم؟ كل هذا كان الشغل الشاغل للمكون التركماني عبر كل تلك السنين العجاف التي مرت دون ان تثمر الشجرة التركمانية في العراق.

مشــاريع اســـتراتيجــية

هذه الحقائق المرّة التي أرهقت وأثقلت كاهل التركمان، كان من الممكن التغلب عليها بنهج سلوك اخر. كان بإمكاننا الخروج من عنق الزجاجة التي ضاقت بنا نحن التركمان. الحروب والصراعات التي يشهدها العالم عامة والعراق خاصة في هذا اليوم، يستند بالأساس على الاستيلاء على مصادر المال ومن اجل تسخير القوة الاقتصادية والامكانيات المادية. من سيتربع على عرش الطاقة سيكون الاقوى بلا ادنى شك، وستكون كلمته هي المسموعة. فكان حريا بولاة  أمور التركمان التركيز على إقامة مشاريع من شأنها أن تعود بفوائد مالية تدعم القضية التركمانية وتسندها وترتقي بها إلى مستويات أفضل بكثير، وتعود بالنفع على الفرد التركماني. مشاريع كانت ستنقذ التركمان من حالة العوز الذي يمرون به، والذي من شأنه أن يسعف الشعب التركمان ويوفر لهم فرص عمل يؤمن لهم ولعوائلهم لقمة العيش الحلال من جهة وتكون سبباً في إرتباط الشباب بأرضهم وعدم التفكير في ترك الارض وهجرة القضية من جهة أخرى.

لم يفكر احد من ولاة الامور في إقامة مشاريع تكون لها مردودات مالية، مثل قاعة مناسبات والتي تكون بتكلفة قليلة ووارد كبير. لم ينبري احد من القادة التركمان في تفعيل مشروع انشاء جامعة فضولي والتي تم شراء وتخصيص الارض لها، والتي من شأنها هي الاخرى ان تعود بالنفع المادي والعلمي على التركمان وتؤمن تشغيل المئات من أبناء الشعب التركماني. وعشرات المشاريع التي كان من الممكن ان تؤمن غدا مرفها للتركمان وتنقذهم من مستنقع التهميش الذي طمسوا فيه وما زالوا يبحثون عن مخرج لهم. مشاريع كانت من الممكن ان تحافظ على المال التركماني دون ان يذهب الى اطراف اخرى وتحصر الاموال داخل المكون التركماني واستثماره بينهم.

لم يتطوع أحد أو أية جهة حزبية تركمانية من الذين يدعون العمل لصالح التركمان في إجبار شركات الاتصالات في درج اللغة التركية ضمن لغاتها العاملة. علماً ان مئات الألوف من التركمان يستخدمون هذه الخطوط ويدفعون الملايين شهرياً لهذه الشركات. كان بالإمكان رص الصف التركماني وحث التركمان على ترك استخدام خطوط هذه الشركات واستبدالها بأخرى لحين احترام هذه الشركة الوجود التركماني من خلال درج لغتهم في قائمة لغاتها.  الحديث في هذا المجال يطول وحدث ولا حرج.

وهكذا كانت القضية التركمانية ضحية المجاملات التي سحلت التركمان الى مفترق الطرق واجعلتهم على وشك خطر بليغ وعلى شفى الهاوية.

في استعراض كل ما جرى بعد عام 2003 وحتى اليوم اي بعد 16 عاما بالتمام والكمال، لا اجد ما كان يرجوه الشعب التركماني قد تحقق وبما يليق بهم. لم ينفذ حتى قيد انملة شيئا يطمئن التركمان ويحقق احلامهم. واذا سألنا الذين تقلدوا زمام امور التركمان عن الذي تم انجازه فيما مضى، من المؤكد ان الجواب سيكون (لا شيء) ولن نحصد غير الكلام.

محمد هاشم الصالحي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات