الرئيسية / المقالات السياسية / زيارة السلطان سليمان القانوني إلى مدينة كركوك // مصطفى واجد آغا أوغلو

زيارة السلطان سليمان القانوني إلى مدينة كركوك // مصطفى واجد آغا أوغلو

مدينة كركوك هي مركز محافظة كركوك، تقع اليوم جغرافياً في شمال العراق وتتبع إدارياً الحكومة المركزية العراقية وتعيش فيها خليط من المكونات، التركمان والعرب والكرد والمسيحيين.

وتمتاز كركوك بتركمانيتها ثقافياً وسكانياً، وخير دليل على ذلك هو تركمانية أسماء معظم المقابر والأحياء السكنية والأزقة وحتى أسماء بعض المساجد والكنائس، وكذلك تكلّم معظم سكان كركوك بالتركمانية، لا سيما بعض المسيحيين الذين يتكلمون التركمانية على المستوى العائلي والذي يُطلق عليهم “قلعة خرستيانلرى” أي مسيحيو القلعة.

وتتمتع المدينة بروح الأخوة وحسن الصداقة مع كافة مكوناتها الإثنية والدينية، وتوجد علاقات المصاهرة والقرابة بين بعض التركمان والكرد والعرب.

دخلت كركوك على مر التاريخ تحت حكم وسيادة الكثير من الدويلات والدول، منها الدولة الإلخانية والجلائرية وقره قويونلو وأق قويونلو والصفوية ومن ثم الدولة العثمانية، وهذه الأخيرة حكمت كركوك من العقد الثاني من القرن السادس عشر إلى نهاية الحرب العالمية الأولى، يعني أكثرمن أربعة قرون.

وكثير من الآثار العثمانية باقية في كركوك إلى يومنا هذا رغم تعرضهم إلى الهدم والإهمال المتعمد، فللمثال وليس الحصر ضريح الصدر الأعظم العثماني وقائد جيشها “طوبال عثمان باشا” الذي أُستشهد سنة 1733 ودفن في كركوك، وكذلك قيصرية كركوك وقشلة كركوك (الثكنة العسكرية) وطاش كوبرى (الجسر الحجري) وغيرها.

دخول كركوك تحت الحكم العثماني

أرسل السلطان العثماني والخليفة الأول سليم الأول (ياووز) عام 1516 جيشاً بقيادة “بيقلى محمد باشا” لشرق وجنوب شرق الأناضول لضم تلك المناطق تحت حكمها، فأخذ الجيش العثماني مناطق ماردين وأطرافها والرقة والموصل وكركوك. إلا أن الصراع الدائم بين العثمانيين والصفويين منع كركوك أن تبقى تحت السيادة العثمانية فكانت تارة تدخل تحت الحكم العثماني وتارة تحت الحكم الصفوي واستمر ذلك إلى مجئ السلطان سليمان القانوني.

غزوة العِرَاقَين وزيارة القانوني لكركوك

نظم السلطان سليمان القانوني غزوة ما بين عام 1533-1535 وقادها بنفسه وسماها غزوة العراقين (العراق العرب والعراق العجم) لكي ينهي الصراعات الدائمة في تلك المناطق ويضمها إلى دولته. فأرسل أولاً وزيره الأعظم إبراهيم باشا إلى حلب في ديسمبر/كانون الأول عام 1533. ومن ثم تحرك السلطان القانوني من أسكودار بتاريخ 14 يونيو/حزيران 1534 ووصل إلى منطقة بالقرب من تبريز.

وما أن أخذ تلك المناطق، قصد الجيش العثماني بقيادة سلطانها القانوني بغداد ووصلها بعد سبعة وعشرون يوماً وضم بغداد إليه دون مقاومة أو معركة، وفور ذلك زار السلطان قبر الإمام الأعظم النعمان بن ثابت (رحمه الله) وأمر بتشييد ضريح ومسجد بجواره، ومن ثم زار ضريح الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) وأضرحة الآئمة وكبار العلماء الأخرين، وبهذا قد أعطى السلطان سليمان القانوني رسالة مفادها: الوحدة والأخوة بين السنة والشيعة، فقد قيل في حقه: “ناظمِ نظامِ المشهدين وزائر الإمام الأعظم”.

وقد مكث القانوني في بغداد أربعة أشهر، وما أن سمع بغزو جيش الشاه الصفوي طهماسب تبريز وأخذه لتلك المناطق، فقد تحرك من بغداد في بداية أبريل/نيسان سنة 1535 قاصداً تبريز وحواليها لإسترجاعها إليه.

فمر السلطان القانوني من صوب كركوك ومكث في داقوق وليلان وآلتون كوبرى وفي منزل يدعى كوت يورت/قيزل كوشك (القصر الأحمر) 28 يوماً، وأمر ببناء جسر على نهر الزاب. وبعد بقاءه في كركوك قرابة شهر غادرها بإستقامة خاصة صو (طريق نهر الخاصة) نحو الشمال.

وبهذا سُجّل في التاريخ زيارة السلطان سليمان القانوني (رحمة الله عليه) التأريخية لكركوك ومكوثه فيها مع جيشه ثمانية وعشرون يوماً.

وربّ سائل يسأل أو منتقدٍ ينتقد ويقول: إن زيارة السلطان لم تكن مخصوصة أو مقصودة لكركوك بل كانت ضمن مهامه، فنقول له: صدقت، لأن حياة السلطان القانوني وطوال فترة حكمه كانتا عبارة عن غزوات وفتوحات ونشر الأمن والأمان والإستقرار والعدالة في جميع المناطق التي سيطر عليها، فليس من المعقول أن يُنتظر من مثل هذا الرجل أن يزور كركوك أو منطقة أخرى لمجرد التنزه.

فرحم الله القانوني الذي كان خير خلف لخير سلف، ورحم الله ورضي عن سابقيه ولاحقيه، إنهم فعلاً كانوا قدوة في نشر العدالة على وجه الأرض، فقد عاش تحت رايتهم مسلمين من مذاهب وقوميات مختلفة، وكذلك غير مسلمين من مسيحيين ويهود وغيرهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات