الرئيسية / الأخبار السياسية / في حديث خاص الفنان الاكاديمي فتح الله التون سس :

في حديث خاص الفنان الاكاديمي فتح الله التون سس :

في حديث خاص الفنان الاكاديمي فتح الله التون سس :
انحني اجلالاً للفرقة القومية التركمانية (ميللي طاقمي)
حاوره / جمهور كركوكلي
كان ظهوره المُبهر على الساحة الغنائية في بداية السبعينيات من القرن الفائت ، بمثابة الأنعطافة في مسيرة الغناء التركماني الشبابي، وبداية لشيوع وانتشار الاغنية الشبابية الهادفة المتزنة لحناً وأداءً وشعراً ، ولم تكن الاسماع يومذاك قد ألٍفت هذا النوع من الغناء ، لان السائد كان فقط الغناء الشعبي وغناء الخوريات والمقامات .
حتى اذا أعتلى المسرح لأول مرة مع الفرقة الذائعة الصيت ( ميللي طاقمي ) استطاع ان يشد نحوه الاهتمام ويلفت اليه الأنظار ، كواحد من المع نجوم الغناء التركماني ، وهكذا شق الشاب الموهوب ( فتح الله التون سس ) طريقه نحو النجومية والتالق وهو لم يزل طالبا في المتوسطة ، ثم ما لبث بعد عدة سنوات ان اصبح من مشاهير الموسيقيين على مستوى العراق وخارجه ، واكتسب شهرة واسعة حين قاد الفرقة الموسيقية للمطرب العراقي الشهير كاظم الساهر وتولى التوزيع الموسيقي لاشهر اعماله مثل – انا وليلى – و – زيديني عشقاً – وغيرها من الأغنيات الناجحة التي نالت صيتا وشهرة كبيرين .
في محلة ( بريادي ) بكركوك ، عانقت عيناه الحياة في عام 1957 ، وفي أجواء تلك المنطقة الشعبية المتسمة بطيبة الحياة وبساطتها ، كبساطة وطيبة أهلها، تعلم مباديء حب الأرض والالتصاق بها والحنو نحوها ونحو ذكرياتها، ومعها أنجذب بدافع فطري الى الغناء والموسيقى ، وكانت الة ( الساز ) التركية التقليدية ، التي ابتاعها بعد ان ادخر نقوده لاشهر ، عالمه المحبب الذي يركن اليه حين يدفعه الشوق الى ترجمة أفكاره واحاسيسه الى تلاحين بسيطة تنبعث من أوتار اّلته وهو يداعبها بلطف وخفة .
وتبقى مسالة أنضمامه الى الفرقة القومية التركمانية ( ميللي طاقمي ) هي النقطة الأهم والأبرز في مشواره الفني الطويل الذي يبلغ الان اكثر من نصف عقد من الزمن، كما سوف يرويها هو بنفسه في ثنايا هذا الحوار،
ففي الجمعة الماضية ، وصل الى كركوك بعد غيبة طويلة ، في زيارة خاطفة دامت ثلاثة أيام ، أراد هو ان تكون بعيدة عن الأضواء والاعلام ، وخصنا بحوار خاص دام لاكثر من ساعتين تطرقنا خلاله الى مواضيع شتى فيما يخص واقع الغناء والموسيقى التركمانية .
* كيف وجدت كركوك بعد هذه الغيبة الطويلة ، وما هو شعورك وانت تتجول بين اهلك واصدقائك .؟
* لا اخفيك ، لقد بكيت بحرارة وانا اقف امام بيتنا القديم بمحلة بيريادي ، لقد كان شعورا لا يوصف واحاسيس لا يسعني ترجمتها الى كلام ، وما كانت كركوك تغيب عن بالي لحظة واحدة منذ ان فارقتها قبل ستة عشر عاما، والى يومنا هذا ، فهي حبيبتي ومعشوقتي الأولى والابدية ، وحين ألفّت ولحنّت اغنية ( كركوكوم واي كركوكوم خبر اولسون بوقهرمان كنجلريو قوربانو اولسون ) كنت ابكي بحرارة كطفل فارق امه .!
لقد كتبتُ كلمات تلك الاغنية ولحنّتها ، وانا في الغربة اتحسر واحترق شوقاً وانا أسمع واتابع اخبار الانفجارات وعمليات الاغتيال والخطف التي كانت تحدث في كركوك في عام 2003 والاعوام التي تلتها ، لذلك استطيع ان أقول ان تلك الاغنية استطاعت ان تحوز على اعجاب المستمعين واهتمامهم لانها كُتبت بصدق ولُحّنت بصدق وعفوية .!
*على ذكر الغناء والاغنية التركمانية،كيف تقيّم واقع الغناء التركماني اليوم؟
*نظراً لبعدي عن ارض الوطن ، ولطبيعة ظروف عملي ،لا استطيع متابعة كل الاعمال الغنائية التركمانية ، لكن اتابع بين الحين والأخر بعض الاعمال الغنائية التي تنشر في مواقع التواصل الاجتماعي ، واذا سنحت الفرصة اتابع البرامج التلفزيونية الغنائية ، وبناءا على ذلك استطيع ان أقول ان هناك بعض الأصوات الجيدة والخامات والقابليات الواعدة التي يمكن لها ان ترتقي الى مستويات متطورة لو أستغلت بشكل علمي مدروس ، بيد ان ما يؤسف له ، هو إصرار اكثر المغنين والملحنين على ( إيقاع الجورجينا ) فقط ، ولا أدري سبب ذلك مع ان هناك ايقاعات كثيرة ومتنوعة يمكن للملحن البارع ان يوظفها بشكل جيد ومقبول ويصوغ منها الحانا جميلة ومقبولة ،اما ما يؤلم حقا ، فهو انتشار ظاهرة السجال بالخوريات بكلمات مخدشة وبعيدة عن قيم ومباديء المجتمع التركماني بشكل لا يليق بغنائنا المتزن ، يقوم بترويجها بعض المغنين في مواقع التواصل الاجتماعي في سابقة خطيرة لم يحدث من قبل ، وارجو من الجميع وضع حد لهذه الصرعة الغريبة على قيم مجتمعنا، ومحاسبة من يروّج لها ويدعمها .
*كانت للفرقة القومية التركمانية ( ميللي طاقمي ) دوراً مهماً في تطوير الفن التركماني ومنها برز فنانون اكفاء خدموا الفن التركماني في مجالات المسرح والموسيقى والغناء. ماذا يعني لك اسم ( ميللي طاقمي ).؟
*انا اعتبر الفرقة القومية التركمانية ، مدرستي الأولى التي تعلمت منها الكثير، ويمكن اعتبارها منظومة متكاملة من كافة النواحي، فلم يكن القائمون عليها يعلموننا الفن فقط ، بل كانوا حريصون على تنشأتنا تنشأة قومية ووطنية وقيم أخلاقية قبل كل شيء لذلك انحني لهم احتراما وتقديرا كلما اتذكرهم واتذكر ما قدموه لي من دعم معنوي وروحي ، وسأظل مدينا لتلك الفرقة وممتناً للأساتذة الأجلاء الذين كان لهم الفضل الكبير في ما وصلت اليه الان . وساذكر لك حادثة بسيطة تعقيبا على كلامي هذا ،فقد أصبت بمرض التيفوئيد حين كنت طالبا بالمتوسطة ، وانقطعت عن الدراسة لاشهر ورسبت بسببه، ولم تسمح إدارة المدرسة لي بأداء الامتحان في العام التالي لتجاوز عمري الحد المسموح ، فحرت ماذا افعل، وحزنت حزناً شديداً لان ذلك يعني حرماني من تحقيق أمنيتني في دراسة الموسيقى بمعهد الفنون الجميلة ، وعلم الأستاذ القدير الفنان عباس ارناي بالامر،فقال لي :
لا تياس، سأدبر الأمر مهما حدث . فأخذني الى دائرة النفوس ومنها الى دار العدالة وأشار اليه محام صديق بأن يقوم بتنظيم طلب تصحيح العمر لي، فقام بالمطلوب بعد عرضي على لجنة طبية خاصة لتقدير العمر وتصحيح تاريخ ميلادي ، فامرت المحكمة المختصة بتصحيح تولدي بانقاص عمري سنة واحدة ، فعدت الى مقاعد الدراسة مرة أخرى ، ولا أنس ما حييت تلك الوقفة الابوية التي وقفها معي استاذي في الفرقة القومية التركمانية الفنان الكبير عباس ارناي .!
*لننتقل الان الى المحطة الثانية في مشوارك الفني ، وهي المؤسسة العامة للإذاعة والتلفزيون ، والقسم التركماني فيها تحديداً ، كيف كانت التجربة بالنسبة لك .؟
*مثلما تعرف انني كنت عضواً في الفرقة القومية التركمانية ( ميللي طاقمي ) التي لها الفضل الكبير في مسيرتي الفنية كما اسلفت، وسجلت وقتها أعمالاً غنائية في تلفزيون كركوك ابتداءاً من عام 1970 ، وكنت أجيد العزف على عدة آلات وقراءة النوتة الموسيقية، وكنت متسلحاً بثقافة موسيقية جيدة بالرغم من صغر سني، وفي عام 1973 قدمت طلباً الى الإذاعة لغرض تسجيل اغنية في القسم التركماني فيها ، واختبرتني لجنة فحص وتقييم الأصوات وكانت مؤلفة من الأساتذة :
ناظم نعيم / وديع خونده / يحيى حمدي / احمد الخليل / محمد جواد اموري/ فؤاد عثمان / علي مردان . وغنيت امامهم اول اغنية إذاعية لي بعنوان ( التون كمر ) وهي من كلمات الأخ الشاعر جمال شان ، واعجبت اللجنة بصوتي وعزفي ، فقررت تسجيل الاغنية على الفور ، وهكذا كانت تلك الاغنية باكورة اعمالي في الإذاعة التركمانية ، وفي عام 1977 أصبحت رئيساً للفرقة الموسيقية الخاصة باذاعة بغداد .
وأكملت دراستي في أكاديمية الفنون الجميلة وبعدها تسنمت منصب عميد معهد الدراسات النغمية في عام 1999، حيث بذلت هناك جهودا كبيرة لتطوير النظام الاداري في المعهد وتوسيع امكانياته العلمية، بعدها أتممت دراستي الموسيقية العليا بتركيا وحصلت على الدكتوراه من جامعة اتاتورك .
*هناك حاجة ملحة لتدوين مقامات الخوريات التركمانية موسيقياً ، للحفاظ عليها من الضياع بفعل تقادم الزمان واختلاف طريقة أداء المطربين لها كلا حسب طريقته واسلوبه ، هل فكرت في القيام بهذه المهمة الصعبة والضرورية ؟
* بالتأكيد نعم ، فقد سبق ان عرضت الموضوع على الأستاذ الراحل عطا ترزي باشي في عام 1977 وقد رحب بالفكرة حينها، وشجعني على القيام بها ، لأهمية التدوين الموسيقي بالنسبة لمقامات الخوريات وتدوينها كنوتة موسيقية يمكن الاعتماد عليها ، الا انني لم أجد الاهتمام المطلوب من قبل الاخرين واقصد المعنيين بالأمر، لتحقيق تلك الفكرة رغم مناشداتي ومراجعاتي المتكررة ، لكنني عازم على تحقيق هذا الهدف حتى وان تطلب الأمر قيامي بذلك وحدي وعلى نفقتي الخاصة .
* وماهي رؤيتك الشخصية وتوصياتك لغرض تطوير واقع الفن التركماني نحو الأحسن ، في ظل خبرتك الطويلة ، كأكاديمي له باع طويل وتجربة وخبرة موسيقية في هذا المجال ؟
* لاشك ان هذا الموضوع شائك وبالغ التعقيد ، لان مسالة تطوير الموسيقى والغناء لا تتم بكبسة زر او بلمسة سحرية ، بل تحتاج الى جهودة كبيرة وإمكانات لا تتوفر عندنا حاليا ، لكن اذا اردنا ان نضع حلولاً انية وسريعة للنهوض بواقعنا الحالي ينبغي أولا وقبل كل شيء ، تعميم مفهوم الفن للفن وليس الفن للتجارة ، فمطربونا القدامى كانوا يغنون ويطربون الناس بدافع ذاتي وكهواية ، ولو يكونوا يغنون لكسب المال ، وكان المغني التركماني يسافر الى بغداد ويبيت في الفندق على حسابه الخاص لايام قد تجاوز الأسبوع لغرض تسجيل اغنية في القسم التركماني ، وكل ذلك بدافع الحب والهواية وخدمة الفن ، ثم لابد من تأهيل قاعدة موسيقية واسعة تواكب التطور الحاصل في المجال الموسيقي المحلي والعالمي ، مؤلفة من مجموعة كبيرة من الموسيقيين الشباب يتم أرسالهم للدراسة في المعاهد والكليات الفنية الرصينة وخصوصا في دول متقدمة في هذ المجال كتركيا وأذربيجان واوزبكستان ومصر ، تفعيل وتطوير مستوى أداء الاتحادات والنقابات المعنية بالفن التركماني كمنظمات المجتمع المدني واتحادات الفنانين والموسيقيين والمسرحيين وغيرها .
تقييم وتشجيع المتميزين من الفنانين ودعمهم مادياً ومعنوياً ،وتكثيف وتنويع البرامج الاذاعية والتلفزيونية التي تتناول الفن وترويج له باسس اكاديمية واختصاصية لتوسيع مديات الثقافة الموسيقية في أوساط المجتمع التركماني ، وكل ذلك هي خطوات سريعة وحلول مبسطة وانية للارتقاء بمستوى الغناء والموسيقى ، على أن يتم فيما بعد عقد ندوات وإقامة ورشات عمل يشارك فيها اهل الاختصاص والاكاديميين المختصين لوضع أستراتيجية بعيدة الأمد لتطوير الفن التركماني والنهوض به .
* كلمة أخيرة قبل أن ننهي هذا الحوار الممتع .؟
* اود ان اشكركم أولا لإتاحتكم هذه الفرصة الطيبة لي ، واود أيضا ان ابعث احر تحياتي لكل اخ واخت وصديق ومن اعرفه ومن لا اعرفه في عموم مناطق توركمن ايلي ، وأود أيضا عن ابيح لكم عن امنيتي الوحيدة والغالية على نفسي والتي بذلت جهداً كبيراً في تأليفه وكتابته ، وهو عبارة عن ملحمة موسيقية بأربعة حركات تحمل اسم ( اه جانم كركوك ) وتصور بشكل اوبرا مجزرة 14 تموز التي راحت ضحيتها كوكبة من خيرة الشباب والشخصيات التركمان ، فقمت بتقديم تلك المجزرة بأسلوب موسيقي أوكسترا ، أتمنى أن اجد من يساعدني في تحقيقه في المستقبل ، وهذه دعوة أطلقها عبر شخصكم ، لعلني اجد من يحقق لي تلك الأمنية واقوم بتنفيذ ذلك العمل الموسيقي الضخم الذي يجسد مجزرة 14 تموز.!

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏٢‏ شخصان‏، و‏‏‏‏‏أشخاص يجلسون‏، و‏زفاف‏‏، و‏‏بدلة‏، و‏طاولة‏‏‏ و‏منظر داخلي‏‏‏‏
ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏‏‏جلوس‏، و‏‏بدلة‏، و‏طاولة‏‏‏ و‏منظر داخلي‏‏‏‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات