الرئيسية / بحوث ودراسات / عودة خلافات بغداد وأربيل: أكثر من أزمة نفط

عودة خلافات بغداد وأربيل: أكثر من أزمة نفط

بعد نحو ثمانية أشهر من الهدوء في العلاقات بين إقليم كردستان العراق والحكومة الاتحادية في بغداد، والتي شهدت تطوراً ملحوظاً منذ مجيء رئيس الوزراء عادل عبد المهدي إلى السلطة في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، كشفت مصادر حكومية وسياسية عراقية لـ”العربي الجديد”، عن بوادر أزمة جديدة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم، بشأن ملفات خلافية عدة، أبرزها الأوضاع في المناطق المتنازع عليها، وعوائد النفط الذي يصدّره الإقليم عبر تركيا.

 ويُطلق مصطلح “المناطق المتنازع عليها” على جميع المدن والبلدات المختلطة قومياً ودينياً، وتقع غالبيتها في شمال وشرق العراق، ضمن محافظات كركوك وصلاح الدين ونينوى (شمال)، وديالى (شرق)، وواسط (جنوب شرق). ونشأ الخلاف على تلك المناطق بعد إقرار الإقليم الكردي في شمالي العراق، بسلطات وصلاحيات ذاتية شبه كاملة، بعيداً عن بغداد. وتقول سلطات إقليم كردستان العراق إنّ تلك المدن والمناطق كردية، ويجب أن توضع تحت سلطة الإقليم، الأمر الذي ترفضه بغداد. وبسبب هذا الخلاف، تضمن الدستور المادة 140، والتي تقضي في أحد بنودها بتنظيم استفتاء عام لأهالي تلك المناطق لتخييرهم بين البقاء مع بغداد ضمن السلطة الاتحادية للدولة أو الالتحاق بالإقليم، لكن ذلك لم ينفّذ.

وأقرّ وزير عراقي في حديث مع “العربي الجديد”، بوجود خلافات سببها ما سمّاه “تذاكي القيادات الكردية ومحاولة المماطلة مع عبد المهدي في تنفيذ ما تمّ الاتفاق عليه مطلع هذا العام”، موضحاً أنّ “أربيل لم تسلم بغداد إلى الآن عوائد النفط المصدر من قبلها، رغم إقرار الموازنة مطلع العام الحالي، ومنح الإقليم حصته المالية منها، بناءً على اتفاق يقضي بأن يسلّم الأخير في المقابل عوائد 250 ألف برميل نفط يتم تصديره يومياً إلى تركيا”.

وأكّد الوزير الذي رفض الكشف عن اسمه، أنه “عدا عن ملف عائدات النفط والذي أوفت بغداد بوعودها بشأنه عكس الأكراد، فإنّ ملف المناطق المتنازع عليها وتحديداً كركوك، يشهد هو الآخر خلافات بشأن منصب المحافظ وإصلاح حقبة سيطرة البشمركة على المدينة خلال السنوات الماضية، وما نتج عنها من عمليات تهجير وتغيير ديموغرافي في قرى ومناطق عربية وتركمانية”.

ولفت الوزير إلى أنّ الرئيس العراقي برهم صالح “لا يتمتع بعلاقة جيدة مع زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، مسعود البارزاني، منذ مدة ليست بالبسيطة، لذا فإنّ الأمور تتعقّد أكثر”، مضيفاً أنه “قد يصار إلى إعلان مفاجئ من قبل بغداد في أي لحظة، يلغي اتفاق الموازنة، ويوقف دفع مرتبات موظفي الإقليم وحصة التنمية السنوية الخاصة بكردستان العراق، وهو إجراء غير مخالف للدستور في حال اتخذته بغداد إن لم يسلّم الإقليم ما بذمته من عوائد النفط”. وكشف عن ترقّب وصول وفد كردي من أربيل من المفترض أنه يحمل إجابات لبغداد عن تأخّر تسليم عوائد النفط وملفات أخرى تتعلق بكركوك وسنجار وطوز خورماتو.

إلى ذلك، تحدّثت رئيسة كتلة الاتحاد الوطني الكردستاني في البرلمان العراقي في بغداد، جواد إحسان، أمس الأربعاء، عن تفاصيل الاجتماع الذي عقده عبد المهدي مع رؤساء الكتل السياسية الكردستانية، الاثنين الماضي، مؤكدةّ أن رئيس الوزراء هدّد بوقف مستحقات الإقليم المالية. وقالت إحسان في تصريح لوسائل إعلام كردية، إنه “تم خلال الاجتماع مع عادل عبد المهدي يوم الاثنين الماضي، بحث عدد من المسائل المهمة بين الإقليم والمركز، بينها مسألة رواتب موظفي إقليم كردستان”. وأوضحت أنّ “رئيس الوزراء أكّد أنه وفق قانون الموازنة العامة، إذا لم تسلم حكومة كردستان عائدات النفط إلى بغداد، سيتم قطع المستحقات المالية للإقليم”، مضيفةّ أنهم “أبلغوا رئيس الوزراء بأن تكون مسألة رواتب الموظفين الجانب الآخر من أي مشكلة، وأنه مهما كانت المستحقات المالية يجب ألا تشمل رواتب موظفي الإقليم”.
من جانبه، أوضح عضو تحالف الإصلاح، محمد الربيعي، أنّ “الحكومة دفعت مرتبات 4 أشهر للإقليم حتى الآن، من دون أن يسلّم الأخير سنتاً واحداً من أموال النفط الذي يصدّره”. وأضاف في حديث مع “العربي الجديد”، أن “هناك ضغوطاً برلمانية وسياسية من بغداد على رئيس الوزراء، مفادها: ما الذي تنتظره؟ ولماذا لا يسلمون ما يبيعون من النفط؟ آملين من الحكومة أن تحسم هذا الملف سريعاً”.

إلا أنّ عضو اللجنة المالية في البرلمان العراقي أحمد الصفار، أكد أنّ مرتبات موظفي إقليم كردستان تسير بشكل طبيعي، ولا توجد مخاوف بشأن توزيعها، موضحاً في تصريح لوسائل إعلام محلية أخيراً، أنّ الحكومة ووزارة المالية تعملان من أجل تطبيق الموازنة الاتحادية لعام 2019 بشكل واضح.

وأشار الصفار إلى أنّ المادة العاشرة من الموازنة تحدّثت بوضوح عن حصول إقليم كردستان على حصته المالية كاملة، في حال التزم بتسديد قيمة 250 ألف برميل يومياً لشركة “سومو” (شركة حكومية عراقية مسؤولة عن استخراج وتصدير النفط)، مضيفاً “أما في حال عدم الالتزام لأي سبب كان، فسيتم استقطاع سعر برميل النفط البالغ 56 دولاراً لعدد الأيام التي لم يتم تسديد أموال النفط فيها”. ولفت إلى فصل قضية مرتبات الموظفين عن الخلافات السياسية المتعلقة بمستحقات كردستان، مرجحاً أن يكون تأخّر تشكيل حكومة الإقليم هو السبب وراء عدم تسليم مستحقات بغداد من عائدات النفط المصدّر.

وفي إبريل/ نيسان الماضي، قال وزير النفط العراقي ثامر الغضبان، إنّ إقليم كردستان لم يسلم حتى ذلك التاريخ مستحقات الحكومة الاتحادية من أموال النفط. بينما اتهم عضو البرلمان العراقي عن تحالف “النصر”، فالح الزيادي، في وقت سابق، رئيس الوزراء عادل عبد المهدي “بتعطيل الاتفاقيات والشروط التي وضعها رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي لترطيب الأجواء بين بغداد وأربيل”.

إزاء ذلك، صعّدت أطراف كردية لهجتها ضدّ ما وصفته بممارسات حكومية عراقية في المناطق المتنازع عليها، مؤكدةً أنها بصدد تدويل القضية. وفي هذا الإطار، قالت رئيسة لجنة المناطق المتنازع عليها في إقليم كردستان، جوان يونس، إنّ فلاحين أكراداً في هذه المناطق “يتعرضون لاعتداءات”، مطالبةً خلال مؤتمر صحافي عقدته بوجود عدد من هؤلاء الفلاحين، الحكومة العراقية والقيادات السياسية بـ”وقف تلك الاعتداءات”.

وأوضحت يونس أنّ لجنتها ستقوم بإعداد تقرير مفصّل بشأن ما يتعرّض له الأكراد في بعض المناطق المتنازع عليها، مؤكدةً أنّها ستقوم “برفع التقرير إلى القيادة الكردية، والحكومة العراقية، وقنصليات الدول العظمى في كردستان”. وشددت على ضرورة تطبيق المادة 140 من الدستور، وإعادة قوات البشمركة الكردية إلى المناطق المتنازع عليها.

والأسبوع الماضي، حذّرت اللجنة ذاتها من وجود أخطار تهدد التطبيع في المناطق المتنازع عليها، متهمة بعض الجماعات بـ”الاستيلاء على دور وأراض تابعة لسكان أكراد في مناطق بمحافظة كركوك، في خطوة أعادت إلى الأذهان ممارسات نظام البعث”، في إشارة إلى حقبة حكم الرئيس العراقي صدام حسين التي انتهت بالاحتلال الأميركي للعراق عام 2003.

ويتهم الأكراد نظام صدام حسين بـ”تعريب” عدد من القرى والمناطق الكردية التابعة لمحافظة كركوك خلال حقبة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، فيما تتهم أحزاب عربية وتركمانية سلطات إقليم كردستان باعتماد سياسة الـ”تكريد” في كركوك التي سيطر عليها حزب “الاتحاد الوطني الكردستاني” بعد عام 2003.

وتعليقاً على ذلك، قال عضو تجمّع عرب كركوك، سعد الجبوري، إنّ الذي يحدث الآن في بعض مناطق المحافظة “لا يعتبر تعريباً كما يدعي الأكراد”، مؤكداً في حديث مع “العربي الجديد”، أنّ “ما يجري هو استعادة بعض العرب والتركمان لمنازلهم وأراضيهم التي طردوا منها على يد الأحزاب الكردية بعد عام 2003”. ولفت إلى وجود دعاوى قضائية بهذا الشأن، موضحاً أنّ “الكثير من العرب لديهم ما يثبت انتزاع ممتلكاتهم من قبل جهات كردية خلال السنوات الماضية”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات