أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / الدراسة التركمانية في ضوء احكام التشريعات العراقية [1] حبيب الهرمزي

الدراسة التركمانية في ضوء احكام التشريعات العراقية [1] حبيب الهرمزي

كان التدريس في العهد العثماني يجري في المناطق التركمانية من العراق في الجوامع والمساجد وباللغة التركية. وكان ائمة الجوامع يتولون التدريس للطلاب الصبيان على شكل حلقات تدريسية. وتأسست اول مدرسة باسم (الرشدية الملكية) في كركوك عام 1865 وكانت بدرجة مدرسة متوسطة، وبلغ عدد طلابها عام 1870 (133) طالبا. واصبح التعليم الابتدائي الزاميا ومجانيا حسب القانون الصادر عام 1877، حيث تأسست ثلاث مدارس ابتدائية في عهد الادارة العثمانية في ثلاث مناطق من مدينة كركوك، وهي القورية والقلعة ورأس الجسر. اما اول مدرسة ابتدائية عراقية، فقد تأسست في كركوك عام 1919 بإسم (مدرسة ظفر الابتدائية)، وكانت الدراسة فيها باللغة التركية التي سمّيت في العهد الجمهوري بالعراق (1958) “اللغة التركمانية”[2].

قانون اللغات المحلية

كان اول قانون ينظّم الدراسة باللغات العربية والتركية والكردية قد صدر في عام 1931 وبإسم (قانون اللغات المحلية). ونص هذا القانون على ان لغة التعليم في المدارس الاولية والابتدائية هي “اللغة البيتية” (وهي تعني هنا “لغة الأم”) لأكثرية طلاب تلك المدارس سواء كانت عربية أو تركية أو كردية. وقد قصر هذا القانون التعليم والتعلّم باللغة التركية على المدارس الأولية (رياض الأطفال) والمدارس الابتدائية، مما يعني عدم الإقرار بحق التعليم والتعلّم باللغة الأم في المدارس المتوسطة او الثانوية او الكليات. وحيث ان الدستور (القانون الأساسي) الذي كان نافذا عند صدور هذا القانون كان قد جعل حق التعليم والتعلّم باللغة الأم مطلقا ودون تحديد بمرحلة معينة من مراحل التعليم، فاننا نرى بان “قانون اللغات المحلية” موضوع البحث جاء مخالفا للدستور في هذه الجزئية، اذ لا يجوز للقانون ان يقيّد حقا أقرّ به الدستور بشكل مطلق وغير مقيّد. ولم تكن الدولة العراقية راغبة حقا في الإقرار بحقوق قومية او ثقافية او تعليمية للشعب التركماني في العراق، بل كان ذلك بدواع سياسية آنية، بدليل تجاوز الدولة على هذه الحقوق وابطال استعمالها خلال فترة وجيزة تلت صدور القانون، ولم تسمح الدولة العراقية للتركمان بتأسيس مدارس لتعليم ابنائها باللغة التركية، وكل ما فعلته انها سمحت كفترة مرحلية بشرح الدروس للطلاب في المناطق التركمانية بلغتهم الأم وسمحت بتدريس اللغة التركية في تلك المناطق كلغة ثانوية. والمفارقة انه تم الغاء تدريس اللغة التركية في عام 1931 في جميع المناطق التركمانية ما عدا كركوك، وهو نفس العام الذي صدر فيه قانون اللغات المحلية.

بيان الدولة العراقية

اما البيان الذي صدر عن الدولة العراقية في عام 1932، فقد تعهدت دولة العراق بموجبه بضمان حق الحياة وحريات كافة الشعوب والقوميات والاقليات القاطنة في البلاد دون تمييز بسبب الدين او اللغة او العرق، وان لا يكون اي اختلاف في العرق او اللغة او الدين حائلا دون استفادة المواطنين من حقوقهم المدنية والسياسية، وان يكون بامكان المواطنين التركمان والاكراد واي مواطن تكون لغته الأم غير اللغة العربية افتتاح مدارس والتدريس فيها بلغتهم، وان تكون اللغة الرسمية في قضائي كفري وكركوك التابعين لمحافظة كركوك اللذين يشكل العرق التركماني اغلبية نفوس سكانهما هي اللغة الكردية او التركية بجانب اللغة العربية.

ويقتضي الاشارة في هذا المجال الى ان البيان قد اقرّ بحق التعليم والتعلّم باللغة الأم ” للجماعات التي تشكّل نسبة معينة في المدن والاقضية”، وجاء هذا التعبير غامضا وغير محدد، مما يجعل من السهل التلاعب بشأنه، اضافة الى ان النص قد قصر التعليم باللغة الأم على المدارس الابتدائية فقط بالرغم من ان الدستور “القانون الأساسي” الذي كان نافذا انذاك جاء مطلقا في هذا المجال ولم يقيّد التعليم بمرحلة معينة من مراحل التعليم كما فعله هذا البيان.

وقد استمر تدريس اللغة التركية في كركوك حتى عام 1937 الذي الغي فيه تدريس اللغة التركية في كركوك بشكل نهائي. ولم تتضمن التشريعات الصادرة في العراق اي نص يقرّ بحق الدراسة التركمانية في العراق الا في عام 1970 كما سنرى فيما يلي.

قرار إقرار الحقوق الثقافية للتركمان

بتاريخ الرابع والعشرين من كانون الثاني/ يناير لعام 1970 أصدر مجلس قيادة الثورة الذي كان يمثل السلطة التشريعية في البلاد قرارا له قوة القانون عنونه المجلس بإسم “قرار منح الحقوق الثقافية للتركمان”. وصدر القرار الذي يحمل الرقم 89 بديباجة قصيرة تضمنت ما يلي: أن ثورة السابع عشر من تموز التي تؤمن بأن الطريق المؤدي الى زيادة مساهمة المواطنين في خدمة هذا الوطن وترصين الوحدة الوطنية وتعزيز الوحدة الكفاحية يأتي من خلال تمتع المواطنين بحقوقهم المشروعة. وإيمانا من الثورة بحق الأقلية التركمانية في التمتع بحقوقها الثقافية في المناطق التي تسكنها، لذا قرر مجلس قيادة الثورة بجلسته المنعقدة بتاريخ 24/ 1/ 1970 ما يلي:

وتضمن القرار نفسه النقاط السبعة التالية:

1. تدريس اللغة التركمانية في مرحلة الدراسة التركمانية.

2. جعل كافة وسائل الإيضاح باللغة التركمانية في جميع المدارس التي ستدرس بهذه اللغة.

3. استحداث مديرية للدراسة التركمانية بوزارة التربية والتعليم.

4. تمكين الأدباء والشعراء والكتاب التركمان من تأسيس اتحاد لهم والعمل على مساعدتهم وتمكينهم من طبع مؤلفاتهم وتوفير الفرص لزيادة قدراتهم وقابلياتهم اللغوية وربط هذا الاتحاد بأتحاد الأدباء العراقيين.

5. استحداث مديرية للثقافة التركمانية ترتبط بوزارة الثقافة والأعلام.

6.إصدار صحيفة أسبوعية ومجلة شهرية باللغة التركمانية.

7. زيادة البرامج التركمانية في تلفزيون كركوك.

فوجئت السلطة بحماس منقطع النظير لفتح المدارس التركمانية سواء من قبل الطلاب او ذويهم الذين سارعوا الى تسجيل اولادهم في تلك المدارس، ومن قبل المعلمين والمدرسين التركمان والرأي العام التركماني، فقد تم افتتاح اكثر من مائة مدرسة تركمانية في مدينة كركوك وحدها، ناهيك عن المناطق التركمانية الاخرى، وسارعت اللجان المشكلة باعداد الكتب الدراسية وتمت المباشرة بطبعها. واسقط في يد النظام البعثي، ولم يكن له بد الا انزال ضربة بالدراسة التركمانية. وهكذا كان.

فقد بدأت السلطة بالتضييق على هذه المدارس واغلاق الكثير منها بحجة ان اولياء امور الطلبة لا يرغبون في دراسة اولادهم بلغتهم الأم! واشتدت المعارضة ضد هذه الممارسات، ووصل الراي العام التركماني الى نقطة الانفجار، وفي اليوم الثاني من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر لعام 1971 اعلن طلبة المدارس الابتدائية والمتوسطة والثانوية في مدينة كركوك باجمعها الاضراب عن الدراسة ، واغلقت ابواب المدارس، واتسع الاضراب ليشمل المناطق التركمانية الاخرى مثل تلعفر وطوزخورماتو والتون كوبري، وساند الطلاب الجامعيون التركمان في كليات جامعة الموصل وبغداد والسليمانية الاضراب بامتناعهم عن حضور الدروس، واغلقت اغلب الدكاكين ومحلات العمل في المناطق التركمانية. واستمر الاضراب ثلاثة ايام دون ان تتهاوى عزيمة المضربين.

رجال التربية والتعليم يساندون الاحتجاجات على الغاء الدراسة التركمانية

كان للاجراءات التعسفية التي طبقها النظام البائد في مجال الغاء الدراسة التركمانية، رد فعل واسع وعنيف لدى طبقات الشعب التركماني ومثقفيه ولدى رجال التربية والتعليم بالاخص. وقد ساند الكثير من المعلمين والمدرسين الاضراب العام للطلبة احتجاجا على ذلك القرار والذي بدأ في كركوك ثم انتشر الى جامعات الموصل وبغداد والسليمانية، ووصل الأمر الى استقالة العديد من المدرسين من نقابة المعلمين بكركوك كتعبير عن سخطهم على هذا الإجراء. فقد قدم كل من الاساتذة عزالدين عبدي بياتلي وغازي عبد القادر النقيب وسعاد سعيد اق قويونلو وصباح رشاد وحسين احمد الحكيم استقالاتهم من نقابة المعلمين على النحو المذكور اعلاه.

ولم تكتف السلطة باعتقال العديد من طلاب المدارس على خلفية اضراب الطلبة، بل عمدت الى اعتقال وتعذيب الكثير من المعلمين والمدرسين الذين كان لهم ولغيرهم دور اساسي وكبير في نجاح الاضراب. وكان من بين المعتقلين في سراديب مديرية الأمن الاساتذة: نجم الدين ونداوي وياسين جميل ارسلان وقحطان الهرمزي ومولود طه قاياجي وحسن النفطجي ومحمد مخلص وعدنان صقاللي وخالد محمد رمضان ونهاد خليل وصلاح علي. وكان للعنصر النسائي التركماني دور مهم ايضا في مساندة الاضراب، اذ ساهمت المعلمات والمدرسات والمفتشات التركمانيات في انجاح ذلك الاضراب. وعلى سبيل المثال فان الست وفيقة النقيب (ابنة قاضي كركوك ابراهيم النقيب) التي هي على ما نعلم اول مفتشة تربية تركمانية من العنصر النسائي في كركوك، كانت قد انيطت بها مهمة تفتيش المدارس التركمانية التي افتتحت تنفيذا لقرار منح الحقوق الثقافية للتركمان. وعندما اغلقت السلطات المدارس التركمانية، وهو القرار الذي أدى الى اضراب الطلبة الذي تطرقنا اليه، رفعت الست وفيقة تقريرا الى وزارة التربية اوضحت فيه الغبن الذي لحق وسيلحق بالطلاب والطالبات جراء الغاء التدريس بالتركمانية في المدارس الابتدائية. وردت الوزارة على ذلك بنقل مقدمة التقرير الى وظيفة “مفتشة” مع تجريدها من صلاحياتها عقابا لها على رفعها ذلك التقرير!

ان أول ما يلاحظ بالنسبة لتدريس اللغة التركمانية، ان القرار نص على “تدريس اللغة التركمانية” وليس “التدريس باللغة التركمانية”. والفرق شاسع بين العبارتين، فتدريس اللغة يعني اضافة درس الى مناهج المدارس الابتدائية يتم فيه “تدريس اللغة” للطلبة، في حين ان عبارة “التدريس باللغة التركمانية” تعني ان يكون تدريس جميع المواد المقررة في هذه المرحلة باللغة التركمانية، وهو ما لم تستهدفه السلطة أصلا. كما ان القرار استعمل عبارة “اللغة التركمانية” في حين ان لغة المواطنين التركمان في العراق هي “اللغة التركية” وان “التركمانية” هي احدى اللهجات التركية الشائع استعمالها بين الجمهور التركماني. مع ملاحظة ان كلا من قانون اللغات المحلية الصادر عام 1931 والبيان الصادر عام 1932 كانا قد استعملا عبارة “اللغة التركية”.

والملاحظة الثانية ان هذا القرار جاء إقرارا نظريا بحق كان قد أقرّ به في قانون اللغات المحلية لعام 1931 والبيان الصادر من الدولة عام 1932 ثم حرم التركمان من الاستفادة منه طوال اربعين عاما.

صدر القرار في معزل عن التنظيمات السياسية التركمانية والزعماء التركمان، وكان القرار مفاجأة للجميع ولم تتم استشارة المكون التركماني من ادباء وصحفيين وتدريسيين حول كيفية تطبيق هذا القرار قبل صدوره. ولم يكن الدافع في اصداره ضمان حقوق ومصالح المكوّن التركماني او الرغبة في اغناء الحركة الثقافية التركمانية.

ورغم التصريحات التي صدرت من اعلى مسؤول في الدولة انذاك، وهو رئيس الجمهورية ورئيس مجلس قيادة الثورة (احمد حسن البكر)، والتي تضمنت وعودا قاطعة بجديّة هذا القرار ولزوم تنفيذ ما احتواه من “مكاسب”، امام جمع حاشد من التركمان، والذي تضمّن عبارات مثل: ” ان القرارات الأخيرة بمنح الحقوق الثقافية للتركمان ليست مكاسب خاصة، ولم تكن بقصد المجاملة او الادعاء، وانما هي حقيقة آمن بها الحزب في مؤتمراته السابقة وأقرّها وهو ملزم بتنفيذها”، ورغم تأكيد هذا المسؤول بـ ” ان نظام الحكم والحزب لن يجعلا التركمان في الصف الثاني بين المواطنين قطعا” وبأنه ” لن يكون العربي أقرب من التركماني والكردي قطعا”[3]، فان تطبيقات القرار اثبتت عدم توفر حسن النية في اصداره اصلا. بل وان السلطة عملت من اول يوم لإصدارها القرار على افراغه من محتواه وجعله اداة لخدمة اغراض السلطة بمؤشرين كان كل واحد منهما دليلا على عدم جدية السلطة الحاكمة في هذا المضمار:

اولا : فرض حزب البعث لرموز ومؤيدي الحزب او المنتمين اليه من التركمان لإدارة كافة المؤسسات التي تم استحداثها وفقا للقرار، مثل مديرية الدراسة التركمانية وجريدة “يورد” ومجلة “برلك سسي” والقسم التركماني في اذاعة بغداد واتحاد الأدباء التركمان ومديرية الثقافة التركمانية.

ثانيا : تراجع الحزب والسلطة عن تطبيق بنود القرار او تحويله الى واقع مسخ ومشوّه. فقد الغيت الدراسة التركمانية بحجج واهية، واعيدت اسماء المدارس التركمانية الى اسماء عربية، واجبر الطلبة الذين كانوا يدرسون باللغة التركية في الصف الثالث الابتدائي على ان يدرسوا باللغة العربية في الصف الرابع، وتم تسخير الصحف والمجلات التي اصدرت بتمويل وتوجيه من السلطة لخدمة اهداف البعث وفرض ثقافة بعثية تسلطية على الشعب التركماني.

وهكذا تم تبديل اسماء المدارس التي فتحت بموجب القرار المذكور الى اسماء عربية، وكمثال على هذا التغيير نورد اسماء بعض هذه المدارس والأسماء الجديدة العربية التي استبدلت بها : فقد تم تغيير اسم مدرسة ييلدزلار – ومعناها النجوم – ليكون مدرسة الفجر الجديد، واسم مدرسة دده هجري (الشاعر التركماني المعروف) الى مدرسة قاسم الثقفي، واسم مدرسة ييدي قزلار (اسم احدى مناطق قلعة كركوك) الى البعث ثم الى قادسيىة صدام، واسم مدرسة قره التون (الذهب الأسود) الى 8 شباط، واسم مدرسة موطلو (السعيد) الى النصر، واسم مدرسة شانلي (العظيم) الى ذات الصواري، واسم مدرسة دوغرولوق (الصدق) الى عمر بن عبد العزيز، واسم مدرسة 24 اوجاق (24 كانون الثاني – وهو تاريخ صدور قرار اقرار الحقوق الثقافية) الى اسامة بن يزيد، واسم مدرسة آق طاش (الحجر البيض) الى المتنبي، واسم مدرسة ايلري (التقدم) الى ابن الهيثم.

وكان رد فعل الجماهير التركمانية تجاه هذا التصرّف المعيب عنيفا جدا. وبات واضحا ان اصدار النظام السابق لهذا القرار – بعد التهميش الكلي لحقوق تركمان العراق وانكار سلطة البعث وجود وكيان الشعب التركماني في العراق – يعود لاسباب سياسية تكمن في عدم رغبة السلطة في الحاق محافظة كركوك التركمانية الغنية بالبترول بمنطقة الحكم الذاتي الكردي. ولم تكن سلطة البعث جادة في الاقرار ولو بهذه الحـقـوق البسيطة للتركمان، اذ انها سرعان ما تـنصلـت من تطبيق هذه الحقوق وبدأت بسلبها واحدة تلو الاخرى وكان اولها الغاء المدارس التركمانية في المناطق التركمانية والتي بلغ عددها في مدينة كركوك وحدها نحوا من 120 مدرسة تركمانية وثم اسناد المناصب المستحدثة الى أناس هم من المنتمين الى ذلك الحزب أو المستفيدين منه أو السائرين في فلكه.

والنتيجة المنطقية لهذا الواقع ان قرار اقرار الحقوق الثقافية للتركمان لم يصدر لأجل ان يطبّق! ويأتي السؤال الغريب الآن: لماذا اذا صدر هذا القرار؟ هل كان القصد منه الاستجابة لدواعي ومتطلبات حقوق الانسان التركماني … ام انه صدر لتحقيق مكاسب سياسية تخدم اغراض النظام فحسب؟ الواضح انه كان وراء اصدار هذا القرار سببان أحدهما دولي يتعلق بمكانة العراق في المحافل الدولية، والثاني يتعلق باوضاع الأمن المضطربة في داخل العراق انذاك.

ذلك ان الجمعية العامة لمنظمة الامم المتحدة كانت قد اصدرت في عام 1965 قرارا يتضمن التزام الدول الاعضاء في المنظمة بعدم ممارسة اى شكل من اشكال التمييز العنصري بحق مواطنيها بسبب الدين او العرق او اللغة او القومية. وأعدت المنظمة وثيقة دولية تتضمن هذه المبادئ، ودخلت هذه الوثيقة حيز التنفيذ في اوائل عام 1969. وكان العراق احدى الدول التي وقعت على هذه الوثيقة الدولية في نفس العام وبعد وقت قصير من نفاذها. وبدأت السلطات التشريعية ( البرلمانات ) في الدول الاعضاء بالمصادقة على الوثيقة واحدة تلو الاخرى. ولأن الدستور الموقت العراقي كان يعطي لمجلس قيادة الثورة في العراق سلطة تشريعية كاملة بحيث تكون للقرارات الصادرة منه قوة القانون، فقد اصدر مجلس قيادة الثورة قرارا له قوة القانون مؤرخا في 14 كانون الثاني/ يناير 1970 بالمصادقة على الوثيقة المذكورة. وذلك يعني ان العراق الزم نفسه امام منظمة الأمم المتحدة وامام المجتمع الدولي بعدم ممارسة التمييز العنصري بين مواطنيه وباقرار كافة الحقوق التي يتضمنها بنود الاعلان العالمي لحقوق الانسان والوثيقة الدولية المذكورة لمواطنيه كافة. وبعد عشرة ايام فقط من هذا القرار صدر قرار إقرار الحقوق الثقافية للتركمان ( 24 كانون الثاني/ يناير 1970 ) واودعت الحكومة العراقية نسخة منه لدى سكرتارية منظمة الامم المتحدة. وتلى ذلك قرار مماثل يخص الاقلية الاثورية وتبعهما قرار الحادي عشر من مارت/ اذار المتعلق بالاكراد. وارتاح النظام العراقي تماما اذ انه ظهر امام انظار المجتمع الدولي والرأي العام العالمي بمظهر المنفّذ فعلا لبنود الوثيقة الدولية وبالتالي لعملية تصفية وازالة الممارسات العنصرية .
بعد تسنم حزب البعث السلطة في العراق بدأت المباحثات بين الحكومة المركزية وبين الاحزاب والتنظيمات الكردية وحصل اتفاق مبدأي على منح الاكراد حكما ذاتيا ضمن حدود وضوابط معينة. الا ان المباحثات وصلت الى طريق مسدود عندما طالبت التنظيمات الكردية بان تشمل منطقة الحكم الذاتي مدينة كركوك وان تكون كركوك عاصمة لمنطقة الحكم الذاتي. وهنا لعب حزب البعث ورقته الرابحة والتي مضمونها ” ان كركوك ليست كردية بل انها مدينة تركمانية “! ولم يكن تمسّك نظام البعث بهذه الحقيقة حبا في حماية التركمان او انطلاقا من مبدأ المساواة بين القوميات والاقليات الموجودة في العراق ولزوم الدفاع عن حقوقها جميعا دون تمييز كما تفعل اية دولة ديمقراطية تولي العناية بمبادئ حقوق الانسان، لأن حكومة البعث كانت ماضية في نفس الوقت ودون هوادة في تطبيق خطة تعريب المناطق التركمانية وطرد التركمان من موطنهم. والواضح هو ان الهدف الحقيقي كان التمسك بحقول البترول الغنية الكائنة في كركوك وعدم تركها بيد الاكراد في عشية اصدار الدولة لبيان 11 اذار المتضمن الاقرار بالحكم الذاتي للاكراد. ولذا فان قرار منح الحقوق الثقافية للتركمان كان بدوره ذريعة لتقوية موقف الحكومة تجاه المطاليب الكردية ليس الا.

الدراسة التركمانية في دستور العراق[4] لعام 2005

نصت المادة الرابعة، الفقرة (أولا) التي تتحدث عن اللغات الرسمية في العراق على ان اللغتين العربية والكردية لغتان رسميتان للعراق. واضافت الفقرة ان الدستور ” يضمن حق العراقيين بتعليم ابنائهم باللغة الأم كالتركمانية والسريانية والأرمنية في المؤسسات التعليمية الحكومية، او بأية لغة اخرى في المؤسسات التعليمية الخاصة”.

ويلاحظ على هذه المادة انها اضافت ” الحقوق التعليمية ” الى جملة الحقوق التي يقرّ بها الدستور بالاضافة الى نصها على لزوم صدور قانون ينظم كيفية استعمال هذه الحقوق. على انه ينبغي ان نتذكر هنا بان هذا الدستور نص على 54 حالة يتم تنظيمها بقانون مما يجعل استفادة التركمان وسائر الشرائح من الحقوق المشار اليها رهنا بمدى سرعة مجلس النواب في اصدار تلك القوانين والظروف السياسية التي قد تعيق او تسرع اصدارها من جهة، وماهية ومدى فاعلية الحقوق السياسية والادارية وغيرها التي تدخل ضمن نطاق ذلك القانون من جهة اخرى. وفعلا فقد أدّت العوامل السياسية الى تأخير صدور قانون ينظّم الحقوق التعليمية لمختلف شرائح المجتمع العراقي مدة تسع سنوات، تم بعدها تشريع القانون المسمّى “قانون اللغات الرسمية” في عام 2014.

استحداث المديرية العامة للدراسات التركمانية

كانت التنظيمات التركمانية وفي مقدمتها الجبهة التركمانية العراقية قد فتحت في التسعينات من القرن الماضي مدارس للتدريس باللغة “التركمانية” في مدينة اربيل التي كانت تقع ضمن المنطقة الآمنة التي استحدثتها قوات التحالف الامريكي شمال خط العرض 32 من العراق. اما بعد الاحتلال الامريكي للعراق وانهيار النظام الصدامي في عام 2003، فقد باشرت التنظيمات التركمانية بفتح دورات تدريسية ومدارس لتدريس الطلاب باللغة “التركمانية”، وتلا ذلك استحداث “مديرية الدراسة التركمانية” كمديرية ضمن تشكيلات المديرية العامة للدراسة الكردية، وما تبع ذلك من استحداث “المديرية العامة للدراسة التركمانية” في مدينة كركوك.

وفي عام 2011 وافقت الدولة على استحداث “مديرية عامة للدراسة التركمانية” ضمن تشكيلات وزارة التربية لتتولى فتح وادارة المدارس التي تدرّس باللغة التركمانية وللمراحل الدراسية كافة. وعلى ذلك فقد احتوى قانون وزارة التربية رقم ( 22 ) لعام 2011 ضمن الفصل الثالث الذي يبحث عن “الهيكل التنظيمي للوزارة” وتحديدا في البند (اولا) من المادة الخامسة من القانون على نص يقضي بتشكيل (المديرية العامة للدراسة التركمانية).

وتنفيذا لهذا النص القانوني فقد اصدرت وزارة التربية بموجب كتاب صادر من مكتب الوزير قرارا يقضي باستحداث مديرية عامة بإسم (المديرية العامة للدراسة التركمانية). وتضمن القرار مهام هذه المديرية العامة بانها: فتح وادارة المدارس التي تدرّس باللغة التركمانية وللمراحل الدراسية كافة (رياض الاطفال، الابتدائية، الثانوية وبنوعيها التعليم العام والمهني)، وفقا للمناهج المقررة وتأليف الكتب الدراسية لمادة اللغة التركمانية، وتنظيم شؤونها التربوية والتعليمية، وادارة وتنظيم الهيئة التعليمية والتدريسية فيها وفقا للقانون والتعليمات والانظمة التربوية النافذة)، اضافة الى استحداث “قسم الدراسة التركمانية” في المديرية العامة للتربية في كل من محافظات (كركوك، نينوى، ديالى، صلاح الدين، وبغداد/ الرصافة الثانية).

قانون اللغات الرسمية

صادق مجلس النواب العراقي في جلسته التي عقدها بتاريخ السابع من كانون الثاني/ يناير لعام 2014 على “قانون اللغات الرسمية” الذي قضى باعتبار اللغة (التركمانية) لغة رسمية في العراق ولكن في نطاق ضيق. ونصت المادة السابعة من هذا القانون على انه ” يجوز فتح مدارس لجميع المراحل للتدريس باللغة العربية أو الكردية أو التركمانية أو السريانية أو الأرمنية او المندائية في المؤسسات التعليمية الحكومية أو بأي لغة أخرى في المؤسسات التعليمية الخاصة وفقاً للضوابط التربوية”.

ووفقا لهذه المادة يكون هذا القانون قد وسّع من نطاق التدريس باللغة (التركمانية) بالقياس الى النصوص القانونية السابقة، بحيث شمل التدريس “جميع المراحل” وليس المرحلة الابتدائية فقط كما كان الحال عليه في التشريعات المشار اليها آنفا. اما المادة التاسعة، فانها جاءت تأكيدا للفقرة رابعا من المادة الرابعة من الدستور العراقي مع تغيير طفيف في الصياغة لا يؤثر على جوهر ما نصت عليه المادة الدستورية.

ونص القانون في مادته الحادية عشرة على تشكيل “لجنة عليا” ترتبط بمجلس الوزراء ومهمتها متابعة تنفيذ القانون، برئاسة ممثل عن الأمانة العامة لمجلس الوزراء وعضوية ممثلين عن كل من حكومة اقليم كردستان وديوان مجلس النواب. كما نصت المادة على تشكيل لجنة مختصة من لغويين واكاديميين وممثلين عن التركمان والسريان والمندائيين، وان تكون مهمة هذه “اللجنة المختصة” مساعدة “اللجنة العليا”.

ولم يحدد القانون مهام “اللجنة العليا” المشار اليها، بل ترك ذلك في المادة الثانية عشرة منه الى تعليمات يصدرها رئيس مجلس الوزراء. غير ان القانون حدد الخطوط العريضة لأهدافه في مادته الثالثة عشرة، اذ حدّدت المادة اهداف القانون بخمسة مواضيع وهي:

أولاً: ضمان إحترام الدستور وتفعيله بتنظيم إستعمال اللغات الرسمية في جمهورية العراق.
ثانياً: نشر الوعي اللغوي، بغية التقريب بين المكونات العراقية و تعميق و ترسيخ المفاهيم الإنسانية والوطنية.

ثالثا: تحقيق روح الاعتزاز باللغة الأم.

رابعاً: تأمين المساواة بين اللغة العربية و الكردية في الحقوق و الإمتيازات بالنسبة لإستخدامها في المؤسسات الإتحادية.
خامساً: دعم و تطوير اللغتين العربية و الكوردية و اللغات العراقية الأخرى كالتركمانية و السريانية والمندائية والأرمنية.

اما المادة الرابعة عشرة من القانون، فانها جاءت بمبدأين مهمين للغاية وهما :

1 – ان لكل مواطن عراقي او اجنبي تعليم ابنائه بلغة الأم.

2 – ان لكل مكوّن عراقي الحق في انشاء كليات او معاهد ومراكز ثقافية او مجامع علمية تخدم تطوير لغتها وثقافتها وتراثها.

وفي حين خلت التشريعات السابقة التي تتعلق بالاعتراف بحقوق معينة للمكون التركماني في مجال التعليم بلغة الأم من اية نصوص رادعة، فان “قانون اللغات الرسمية” موضوع البحث جاء بعقوبات تفرض على من يخالف احكامه. وميّز القانون بين من كان المخالف لأحكامه موظفا او غير موظف. فبالنسبة للموظف نصت الفقرة (اولا) من المادة السادسة عشرة من القانون على تطبيق العقوبات الانضباطية بحقه في حالة مخالفته لأحكام القانون. بينما نصت الفقرة (ثانيا) من نفس المادة بالنسبة للمخالف غير الموظف بانذاره بازالة المخالفة خلال 15 يوما، وعند امتناعه عن ازالة المخالفة معاقبته بغرامة لا تقل عن خمسين الف دينار لكل يوم يتخلف فيه عن ازالة المخالفة.

واعطت الفقرة (ثالثا) من القانون الحق لكل متضرر من المخالفة في تحريك دعوى جزائية ضد من يخالف احكام هذا القانون. وحددت الأسباب الموجبة للقانون مبررات اصداره بان القانون يأتي تطبيقا لأحكام المادة الرابعة من الدستور و” إحتراماً للتنوع القومي و اللغوي في العراق و تأكيداً لترسيخ البعد الإنساني لحضاراته في عهده الإتحادي الجديد، وإنسجاماً مع تعاليم الدين الإسلامي التي تؤكد على إحترام إختلاف اللغات، ومن أجل تمكين المكوّنات الاساسية لجمهورية العراق من التعبير الحر عن حاجتها و متطلباتها بلغاتها الاصلية.”

تلك لمحة موجزة عن “الدراسة التركمانية” في العراق، نأمل ان تكون محفّزا للباحثين والكتّاب التركمان لرفد المجتمع التركماني بالمزيد عن هذا الموضوع المهم.

[1] – استقينا هذه المعلومات بصورة رئيسية من كتابنا الصادر بعنوان (التركمان في التشريعات القانونية العراقية ” 1921 – 2014 ” دراسة قانونية وتطبيقية – الدار العربية للموسوعات، بيروت 2015)، ومن كتابنا المعنون (مذكرات صحفي تركماني، مؤسسة وقف كركوك للثقافة والابحاث، استانبول 2016).

[2] – استقينا هذه المعلومات من كتاب “الأوائل في كركوك” لمؤلفه نجات كوثر اوغلو، المطبوع في كركوك عام 2019.

[3] – انظر نص هذه التصريحات في العدد العاشر من مجلة “الأخاء – قارداشلق” الصادرة ببغداد في شباط/ فبراير 1970، ص 9.

[4] – أقرّت الجمعية الوطنية العراقية مشروع دستور العراق الدائم في 12 اغسطس من عام 2005 واقترن ذلك بالمصادقة عليه دستوريا باستفتاء جرى في الخامس عشر من شهر اغسطس للعام نفسه، وتم نشر الدستور في العدد 4012 من جريدة الوقائع العراقية الصادر بتاريخ 28 كانون الأول/ ديسمبر لعام 2005 واعتبر نافذا من تاريخ 20 مايس 2006.

المصدر: قارداشلق العدد 81

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات