الرئيسية / المقالات الأدبية / صاري قاميش.. وشهيد قلعة كركوك … جمهور كركوكلي

صاري قاميش.. وشهيد قلعة كركوك … جمهور كركوكلي

 أشارَ دليلُنا السياحي إلىٰ رابيةٍ عالية تكسوها الثلوجُ وينتصبُ وسطها نصبٌ تذكاريٌ، قائلاً : هذهِ مقبرةُ صاري قامِش … تنفسّتُ الصُعداء وأنا أقولُ في قرارةِ نفسي :

أذنْ حانَ الان وقت أستعادة ذكرىٰ عزيزة على قلبي وكياني ، وأمنيةٌ طالما تمنيّتُ أن أحققها ، كيْ تَسعدَ روحُ جدّتي ، التي قضتْ عمرَها ، متحسرةً على رؤيةٍ قبر شقيقها التوأم ( عبد العزيز صابر ) فتىٰ قلعة كركوك الوسيم والخلوق ، الذي سيق وشلة من رفاقه ، في عام 1914 ضمن حملة ( سفر برلك ) التي تعني النفير العام الى الخدمة العسكرية ، ليستشهد هناك مع عشراتِ الالاف من الجنودِ العثمانيين الذين قضوا برداً وتجمّدوا ودُفنوا في ثلوج ( صاري قامش ) ضمن معركةٍ شرسة قادها ( أنور باشا ) ضد الجيش القوقازي الروسي، وأنتهتْ نهايةً تراجيديةً، أُستشهد فيها عشرات الآلاف من الجنودِ من شدّة البرد، كما أُسر آلافٌ آخرون ليلقوا حتفَهم فيما بعد من الجوعِ والعطشِ والبردِ القارص في مزارعِ الخنازير بسيبيريا، وأوكرانيا..!

توقفّتُ برهةً أمامَ النُصب التذكاري الشامخ الذي أُقيم في صاري قامش تخليداً لشهداءِ تلك المعركة التراجيدية ، وقرأتُ الفاتحةَ ترحما ًعلى روحِ ( عبد العزيز ) توأم جدتي لأمي التي قضتْ حياتها ، وهي تبكي أخاها الشهيد الذي قضىٰ في معركةِ صاري قامش على تخومِ ولاية قارص في تلك الأجواءِ الباردة من شهر كانون الثاني من عام 1914، وتلبسُ السوادَ حُزناً علىٰ فقده، وتنتحِبُ وتبكي كلّما تذكّرتْ كيف ودّعتهُ بالبكاءِ والعويل ، وكيف سَكبت الماءَ خَلفه ، أملاً بعودتِه سالماً ، لكنّه ذهبَ ولمْ يَعُد..!

وشَعرتُ لحظتَها أنني أؤدّي جزءاً مِن دَينٍ ظلّ يُطّوق عُنقي ، وأحسستُ ُبراحةِ ضمير ، وأنا أتجولُ بين مقابرِ ضحايا تلك المعركة ، وتذكرّت ابياتَ المعّري: خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد وقبيح بنا وإن قدُم العهد هوان الآباء والأجداد ويُحيي الأتراكُ بين 22 كانون الأول و15 كانون الثاني مِن كلِّ عام بأحتفالاتٍ رسمية وشعبية ذكرىٰ تلك المعركة التي يَصفوها بالملحمة ، وينظّمون تجمعات ومسيرات الى مقبرة صاري قامش ويضعونَ أكاليلَ الورود أمام النُصب التذكاري هناك. وقدْ حالفني الحظُ في العامِ الماضي، فكنتُ مع جموعِ المحتفلينَ الذين قَدِموا من مُختلف الولايات التركية ومِن خارجها ، لأحياءِ ذكرى الشهداء الذين ضحّوا بارواحِهم في المعاركِ الشرسة التي شهدتها جبالُ ( الله أكبر ) في منطقة صاري قامش في أقصىٰ شرقِ هضبة الأناضول ، واستذكرتُ هناك حزنَ جَدتّي وبكائَها على فقدِ شقيقها ( عبد العزيز ) الذي سقطَ شهيداً مع من سقط في تلك المعركة ، وأستذكرتُ نشيجَها ونحيبَها وهي تُنشد:

سَنْ گيده لي ئيل اولدي ..

قوري باغلار گول اولدي يولوي بكلمه ختن ….

آغ جيگرم كول اولدي…!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات