الرئيسية / المقالات السياسية / تركمان العراق من 1918 إلى 2018 // بقلم: مصطفى واجد آغا أوغلو

تركمان العراق من 1918 إلى 2018 // بقلم: مصطفى واجد آغا أوغلو

يعيش التركمان في العراق منذ أكثر من ألف عام، فقد أسسوا حضارات عريقة طوال هذه القرون من خلال سبع دول وإمارات مختلفة، ومن ثم عاشوا في ظل السيادة العثمانية حوالي أربعة قرون بجانب إخوتهم من القوميات والأديان الأخرى حيث العدالة والمساواة العثمانية إلى أن أُحتلت تلك المناطق من قبل الإنجليز سنة 1918 فكانت هذه نقطة تحول في تأريخ تركمان العراق والبدأ بعهد جديد خالٍ من العدالة والأخوة والحفظ لحقوق المواطنين، وبعكس ذلك عهد مليئ بالإضطهاد والتهميش والظلم، وقد أخذ تركمان العراق حصة الأسد من هذا الظلم والإجحاف.
من الصعوبة بمكان أن أذكر الظلم والتهميش والإبادات الجماعية الذي تعرض لها تركمان العراق من سنة 1918 إلى سنة 2018 من خلال هذه المقالة، بل إن الكتب والمجلدات لا تكفي لذكر تلك المظالم المتعاقبة طوال قرن بالتمام والكمال، ولكنني هنا في مقالتي هذه أختصر تلك الوقائع والحوادث للقارئ الكريم بشكل وجيز:
في سنة 1918 وبالتحديد مع نهاية الحرب العالمية الأولى إحتل الجيش الإنجليزي مدن شمال العراق (مناطق توركمن إيلي) بعد أن كانت تحت الحكم العثماني المشروع، فقد بدأ الظلم يلاحق التركمان منذ هذا التأريخ.
في سنة 1920 إرتكب جيش الإحتلال الإنجليزي مذبحة بحق أبناء مدينة تلعفر وأُطلقت عليها “مذبحة قاج قاج” وهذه كانت أولى مذبحة تُرتكب بحق التركمان في العراق.
في سنة 1924 قام الجيش الإنجليزي بإرتكاب مجزرة أخرى في مدينة كركوك هذه المرة، ولم تكن أقل ظلما من سابقتها فقد أُستشهد العشرات من التركمان.
في الخامس من حزيران/يونيو سنة 1926 وقع تركيا من طرف وبريطانيا والعراق من طرف على معاهدة سميت “بمعاهدة أنقرة” أعطيت ولاية الموصل للعراق بعد أن كانت منطقة متنازع عليها في عصبة الأمم بين تركيا وبريطانيا.
في الثلاثينيات من القرن الماضي، أُغلقت جميع المدارس التي كانت تدرس باللغة التركمانية بأمر من الحكومة الموالية للإنجليز وقتذاك، لأجل نسيان لغة الأم ولكن بفضل الله ورغم هذه الإجراءات المجحفة فلم ينسى أحد من التركمان لغته الأم وكيف ينسون هذه اللغة التي لطالما يتكلمونها منذ أكثر من ألف عام.
في 12 من تموز/يوليو سنة 1946 اُرتكبت مجزرة جديدة بحق العمال في مدينة كركوك وراح ضحيتها العشرات من التركمان العزل شهيدا، وأطلقت عليها “مجزرة كاوور باغى” نسبة إلى اسم مكان وقوع الحادث.
في 14 من تموز/يوليو سنة 1958 قام الزعيم عبدالكريم قاسم بالإنقلاب على النظام الملكي وإعلان النظام الجمهوري .. وبعد فترة قصيرة من هذه الحادثة قامت السلطات الرسمية بإطلاق عبارة “تركمان العراق” بدلاً من أتراك العراق بغية قطع كافة صلتهم مع تركيا، إلا أن قرار السلطات كان مضحكاً جدا لأن “التركمان والترك” كلمتان مترادفتان ترجعان لنفس الأصول والمصدر.
في تاريخ 14-17 تموز/يوليو سنة 1959 قامت مجموعة البرزانيين وبالتنسيق مع الشيوعيين بإرتكاب أبشع مجزرة في مدينة كركوك بحق التركمان، لم تشهد العراق من قبلها مثل هذه المجزرة حيث راح ضحيتها العشرات من القادة والمثقفين والنخباء التركمان بالإضافة إلى العشرات من الجرحى، وقد قطّعوا أجساد الشهداء وعلقوا البعض منهم على السيارات وهي تدور في أزقة المدينة، وعلقوا البعض منهم على الأعمدة والجدران، فكانت فاجعة أليمة تقشعر لها الأبدان .. وقد أُستشهد القائد التركماني وقتذاك الزعيم عطا خير الله في هذه المجزرة وكذلك أخذت فتاة شابة نصيبها في الشهادة على يد الجلاوزة.
وفي السبعينيات من القرن الماضي قامت السلطات العراقية مرة أخرى بإغلاق المدارس التركمانية التي تدرس بلغة الأم والتي سبق وأن سُمح بتدريسيها قبل فترة قصيرة. وفي هذه السنوات أيضاً قامت السلطات بإعتقال كوكبة من القادة والمثقفين التركمان.
وفي 16 من كانون الثاني/يناير 1980 قامت السلطات العراقية بإعدام القادة التركمان وهم كل من الزعيم عبدالله عبدالرحمن والدكتور نجدت قوجاق والدكتور رضا دميرجي ورجل الأعمال عادل شريف، وقد أُعتبر هذا التأريخ فيما بعد “بيوم الشهيد التركماني”. ولم تكتفي السلطات البعثية بإعدام هؤلاء الأربعة فقد أعدمت فيما بعد المئات بل الالآف من القادة والرموز التركمان.
في 28 من أذار/مارس 1991 الموافق لشهر رمضان المبارك دخلت القوات العراقية إلى ناحية آلتون كوبرى التركمانية التابعة لمحافظة كركوك وأعتقلت العشرات من الشباب والشيوخ العزل وهم صائمون من منازلهم وأقتادتهم إلى جهة مجهولة وأعدمتهم رميا بالرصاص دون محاكمة وبلا سبب، كونهم من التركمان فقط. وفي نفس التأريخ أيضا إرتكبت القوات مجزرة أخرى في ناحية تازه خورماتو ضد التركمان وقتلت العشرات منهم.
في 31 آب/أغسطس 1996 وفي الوقت الذي كان جلال طالباني ومسعود برزاني يحاربان البعض بالسلاح والقوة، أدخل برزاني الجيش العراقي إلى أربيل (الملاذ الأمن) لمطاردة قوات طالباني وبعد أن قضى حاجته، وبإتفاق مسبق مع الجيش العراقي أرشدهم إلى مقرات الجبهة التركمانية العراقية والأحزاب والمؤسسات التركمانية في أربيل حيث قتلت القوات العراقية العشرات من مسوؤلي وموظفي التركمان بمؤامرة مدروسة وممنهجة مسبقاً.
في تاريخ 9 نيسان/أبريل 2003 سقط النظام البعثي الصدامي، وفرح التركمان مثل باقي القوميات والشرائح لتخلصهم من الدكتاتور إلا أن قدرهم لن يتغير مع الأسف، فشهدت المناطق التركمانية تعريبا في العهد البعثي وأما بعد 2003 فقد شهدت تلك المناطق تكريداً شرساً وقد جُلبت المئات الالآف من العوائل الكردية من مناطق شمال العراق ومن أكراد إيران وتركيا وسوريا وتم إستيطانهم في كركوك والمناطق التركمانية الأخرى لأجل تكريدها هذه المرة.
وقد أُستشهد بعد سنة 2003 العشرات الآلاف من التركمان في عمليات التفجير والإغتيالات وهدمت الآلاف من المنازل والدور السكنية والمحلات ..
في 28 تموز 2008 نظمت الأحزاب الكردية مظاهرة وسط كركوك مطالبين بضم كركوك إلى إقليم شمال العراق، وفي أثناء هذه المظاهرة هاجمت مجموعة من المتظاهرين الموالين للأحزاب الكردية المقر الرئيسي للجبهة التركمانية العراقية وأحرقوا المقر والسيارات الموجودة في البناية وأعتدوا على منتسبي المقر، وبعد ذلك هاجموا بناية فضاية تركمان إيلي وعدد من المؤسسات التركمانية دون سبب يُذكر.
10 حزيران/يونيو 2014 كان نقطة تحول في تأريخ العراق والتركمان بشكل خاص، حيث احتل تنظيم داعش الإرهابي المتطرف ربع العراق، وأكثر من نصف مناطق التركمان، فقد أحتلت مناطق تلعفر والموصل وطوزخورماتو وأجزاء من كركوك وديالى وهذه كلها مناطق تركمانية بالتمام وهُجرت أهلها وقُتل الآف منهم على يد داعش الإرهابي.
وبعد إجتياح داعش لهذه المناطق، دخلت قوات البشمركة الكردية لهذه المدن، ما زاد توتر وخوف التركمان أكثر.
وبعد سيطرة الأحزاب الكردية على كركوك بالشكل الكامل وفراغ حكومة المركز منها، زاد تكريد المدينة أكثر وأصبحت كركوك معقلاً لمنظمة PKK الإرهابية وبدأت الإغتيالات وسطو المسلح يزيد يوما بعد يوم تجاه التركمان. ولم تكفي جميع هذه الأمور ففي 28 آذار/مارس 2017 ورغم مقاطعة الأعضاء التركمان والعرب، صوت أعضاء الكرد في مجلس محافظة كركوك وبأمر من محافظها آنذاك برفع العلم الكردي فوق الأبنية الحكومية الرسمية، وهذه كانت مخالفة دستورية وقانونية واضحة.
وبهذا أيضا لا يكفي، فهدفهم كان ضم كركوك إلى الإقليم ومن ثم الإنفصال عن العراق. فقد قررت إدارة الإقليم بإجراء إستفتاء الإنفصال عن العراق في تأريخ 25 أيلول/سبتمبر 2017 ورغم رفض التركمان والمكونات الأخرى ودول الجوار والعالم لهذا الإستفتاء الغير شرعي إلا أنهم أصروا على ذلك، وكانت نتائجه بمثابة العدم لعدم شرعيته القانونية والدستورية والمجتمعية والدولية، وبهذا واجه التركمان صداعاً آخر في مناطقهم ومعاقلهم.
وفي 16 تشرين الأول/أوكتوبر 2017 دخل الجيش العراقي قادما من بغداد إلى المناطق المتجاوز عليها منذ أربعة عشر سنة على يد الأحزاب والميليشيات المسلحة الكردية، فدخلت القوات العراقية المركزية إلى كركوك وأنزلت الأعلام الكردية من المؤسسات الحكومية ومن فوق قلعة كركوك وهرب محافظ كركوك ورئيس مجلسها وكبار المسوؤلين من المدينة، وعادت الكرامة الإنسانية إلى أبناء كركوك بعد أن كانت مسلوبة طوال عقد ونصف عقد.
إلا أن مسلسل الإستهدافات ومحو الهوية للتركمان لن تنتهي .. فقد أجري في 12 آيار/مايس 2018 إنتخابات برلمانية في عموم العراق فأخذت محافظة كركوك حصة الأسد من التزوير الحاصل في عمليات التصويت فذهبت أصوات التركمان لصالح حزب الإتحاد الوطني الكردي نتيجة التزوير بخطة مدروسة مسبقاً.
ورفضاً لهذه التزويرات والإنتهاكات إعتصم التركمان 28 يوما في كركوك دون ملل أو كلل منددين بالتزويرات ومطالبين حقوقهم المشروعة.
وهنا أود أن أذكر أسماء بعض الرموز التركمانية الذين أُستشهدوا ما بين 2003 -2017 جراء عمليات الإغتيال وهم كل من:
الشهيد علي هاشم مختار أوغلو – نائب رئيس الجبهة التركمانية العراقية وعضو مجلس محافظة صلاالدين
الشهيد مصطفى كمال يايجلي – رئيس فرع كركوك للجبهة التركمانية العراقية وعضو مجلس محافظة كركوك
الشهيد منير القافلي – عضو الهيئة التنفيذية للجبهة التركمانية العراقية ورئيس مجلس قضاء كركوك
الشهيد ياووز أفندي أوغلو – رئيس فرع الموصل للجبهة التركمانية العراقية
الشهيد د. عامر سلبي – مسوؤل فرع الموصل للذراع الشبابي للجبهة التركمانية العراقية
الشهيد علي أكرم كوبرلو – مسوؤل الجبهة التركمانية العراقية في ناحية آلتون كوبرى/كركوك
الشهيد علاء الدين الصالحي – مسوؤل الحي العسكري للجبهة التركمانية العراقية/فرع كركوك
الشهيد أحمد عبدالواحد قوجا – معاون محافظ صلاح الدين
الشهيد اللواء الركن عدنان عبدالرزاق البياتي – مدير الشؤون الداخلية في محافظة كركوك
الشهيد العميد الركن صباح قره آلتون – مدير عام مديرية مرور كركوك
الشهيد إبراهيم إسماعيل الونداوي – مدير عام مديرية تربية كركوك
الشهيد الطبيب يلدرم عباس دميرجي – إخصائي الجملة العصبية
الشهيد المقدم أيدن حسين – مدير دائرة إستخبارات كركوك
بالإضافة إلى المئات من الشخصيات السياسية والأكاديمية والنخب المثقفة التركمانية تم إغتيالهم، والأمر الأكثر حزنا هو أن جميع هذه الجرائم والإغتيالات دون إستثناء سُجلت بحق المجهول ولم يتم إلقاء القبض على أحد من مرتكبي هذه الجرائم العديدة.
ورغم طوال قرن كامل من الظلم والمذابح والإغتيالات والإعدامات بحق التركمان إلا أنهم يعانون من التهميش والإقصاء إلى يومنا هذا، فإنهم محرمون من أبسط حقوقهم ولم يُمثلون في الكابينة الوزارية ومستبعدون من جميع أركان وفصائل البلد وكأنهم ضيف ثقيل في العراق.
وبالإضافة إلى جميع هذه الأمور، فإن الصروح التأريخية والأماكن الأثرية التركمانية التي تعود بنائها إلى المئات السنين سواء في كركوك أو في طوزخورماتو والموصل أوفي غيرها من المناطق التركمانية الأخرى مستهدفة بالهدم ومحو الهوية الثقافية، فعلى سبيل المثال وليس الحصر القشلة (الثكنة العسكرية) في كركوك هُدمت أجزاء كبيرة منها نتيجة الإهمال المتقصد وكذلك ضريح كوك كومبت وأولو جامعى في قلعة كركوك كلها هدمت نتيجة عدم الإهتمام والإهمال. وكانت آخرها وربما ليست الأخيرة هي حرق سوق القيصرية التأريخية في كركوك ليلة 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2018
فخلاصة الكلام ان التركمان في العراق ومنذ سنة 1918 وإلى يومنا هذا مستهدفون سياسياً وثقافياً وتعليمياً ولكنهم عازمون على الحفاظ على وجودهم في كافة المجالات دون ملل أو كلل لأنهم أصحاب الأرض الأصليين والشرعيين ويشهد بهذا القاصي والداني والعدو قبل الصديق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات