الرئيسية / بحوث ودراسات / العملية التركية المرتقبة نحو “تل أبيض” : د.صبحي ناظم توفيق

العملية التركية المرتقبة نحو “تل أبيض” : د.صبحي ناظم توفيق

    د. صبحي ناظم توفيق

خبير إستراتيجي و عسكري .. دكتوراه في التأريخ

العملية التركية المرتقبة نحو “تل أبيض

تمهيد

بين تصريحات وتهديدات تصاعدت على لسان كبار قادة “آنقرة وواشنطن” ووسط سكوت مطبَق من جانب “دمشق وموسكو” تأتينا أخبار من ولاية “أورفا” عن وحدات من الجيش التركي تتهيّأ للإقدام على عمليات برية نحو “تل أبيض” بإسناد جوي ومدفعي، وذلك في خطوة توسّع الدور العسكري والأمني التركي في الأرض السورية شرقيّ نهر الفرات بعد عمليّتين ناجحتَين في غربيّه.
فهل بإستطاعة “تركيا” تنفيذ هكذا عملية؟ وما الغاية من تحشيد قواتها؟؟ ولماذا تتريّث؟؟؟ وما موقف “واشنطن” أزاءها؟؟؟؟ وما أهمّية “تل أبيض”؟؟؟؟؟ وما إستراتيجية “تركيا” في هذا الشأن؟؟؟؟؟؟
تساؤلات نحاول تسليط ضوء مختصر عليها في هذه المقالة.


خريطة توضح موقع “تل أبيض” ضمن محافظة “الرقة” السورية المتاخمة لحدود ولاية “أورفا” التركية
إمكانية تركيا على شنّ العملية
من المُسَلَّم به أن دولة مثل “تركيا” تمتلك إمكانات عسكرية الهائلة وصاحبة ثاني أضخم قوات مسلّحة ضمن دول حلف (N.A.T.O) قادرة على شنّ هكذا عملية من الناحية العسكرية الصرف تكتيكياً وعملياتياً في حالة إتخاذ قرار سياسي بشأنها، ولا سيّما أن وحدات من جيشها نفذت خطّتَين مشابهتَين حققتا إستتباباً أمنياً مشهوداً في “جرابلس” و”عفرين” الواقعتين في الأرض السورية غربيّ نهر الفرات ضمن عمليات “درع الفرات وغصن الزيتون” خلال العامَين المنصرمَين.
التحشّدات التركية
تركز وسائل الإعلام على أخبار ((تعزيز)) “تركيا” لقواتها داخل أراضيها المتقابلة مع “تل أبيض”… وفي الواقع أن هذه المجرَيات لا تسمّى بالمفهوم العسكري بـ”تعزيزات” بل هي مرحلة “تحشّد” تسبق أية عملية عسكرية.
ولـ”تركيا” غايتان في هذا الشأن:-
• إما:- الإستحضار الحقيقي لعمل ميداني على أرض الواقع فور إتخاذ قرار سياسي.
• أو:- أن الحكومة التركية تتبع أسلوب “التلويح بإستخدام القوة العسكرية” لإستحصال غاية سياسية مرتجاة.
وفي الموقف الراهن المشوب بخلافات بين “آنقرة وواشنطن” قد يضطر هذا التلويح التركي الولايات المتحدة الأمريكية لِتَفي بوعودها بشأن بلدة “مُنبِج” والتي أُتُّفِقَ عليها مع “تركيا” منذ عام تقريباً، وقد تصدر “واشنطن” أوامرها لقادة الميليشيات الكردية لترك هذه البقاع من دون قتال مقابل إلغاء “تركيا” الهجوم.
الإتفاقيات المرتبطة بالعملية
يتساءل البعض عن مدى أحقيّة “تركيا” بالإقدام على هكذا عمل نحو دولة مستقلّة ذات سيادة.
ولكن واقع الحال المؤسف منذ عام (2011) أن “سوريا” تفككت ولم تعد تحمل صفة دولة ذات سيادة من حيث سَيَبان حدودها مع كل دول الجوار وتوغّل فصائل مسلحة موصوفة بالإرهاب في ثلاثة أرباع بقاعها يدعمها الأجانب بشكل مُعلَن بإذن “دمشق” أو من دونه، وإنتشرت الميليشيات في أرضها متداخلة مع العراق ومتاخمة للأرض الأردنية والحدود التركية.
وفي محافظة “الرقة” شرقيّ نهر الفرات على وجه الخصوص -حيث تتمركز فصائل كردية مسلّحة عدوّة لتركيا- هناك وعود بإفراغ بلدة “مَنبِج” من “قوات سوريا الديمقراطية” (الكردية) المدعومة أمريكياً، وجعل مسؤوليات الأمن في ربوعها وإدارتها المدنية مشتركة، ولكن الجانب الأمريكي لم يَفِ بها لغاية الوقت الراهن.
أما المواثيق الدولية -رغم الإختلافات في تفسيرها كلّ حسب مصالحه- فإنها تشير إلى حقّ أيّة دولة الحفاظ على أمنها الوطني والقومي إذا إستشعرت بأخطار داهمة نحوها… وهذا ما ينطبق على الحالة التركية ببقاعها المتاخمة لـ”سوريا” المضطربة والخارجة من سلطة “دمشق” منذ (سبعة) أعوام ولغاية يومنا هذا.
لماذا تتريث “تركيا”؟
يلاحظ المراقبون أن هناك تلكّؤاً تركياً للبدء بالعملية رغم تهديدات الرئيس “أردوغان” المتواصلة بقرب شنّها.
أرى أن هناك موجبان تركيان في هذا التريّث، ففي الجانب السياسي ينبغي التأنّي ريثما ينجلي الموقف الأمريكي بشأن “مَنبِج” لإجبار القادة الأكراد لتحقيق الوعود الأمريكية، وثانيهما عسكري يتعلّق بضرورات توفير الإستخبارات التركية أدقّ المعلومات عن نقاط تمترس قوات “قوات سوريا الديمقراطية” وسواها من الفصائل الكردية على محاور التقدم المحتملة، وماهيّة أسلحتهم الثقيلة، كي يكون القادة الميدانيون بأوضح صورة ليهيئوا مستلزمات وحداتهم المتحشّدة قبل الإقتحام.
موقف “واشنطن” تجاه شرقي الفرات؟
الأمريكيون -رغم خلافاتهم الراهنة مع “آنقرة”- ليسوا على إستعداد أن يضحّوا بـ”تركيا” من أجل أكراد يحتاجونهم ويلهثون وراءهم ويرضخون لأوامرهم، يُضاف إليهم كون “تركيا” دولة كبرى ومؤثّرة في المنطقة وذات موقع جغرافي إستراتيجي لا يُستغنى عنه وصاحبة قوات مسلّحة ضخمة ضمن الـ”N.A.T.O”، ناهيك عن إعتبارها من أعظم عوامل التوازن في الشرق الأوسط تجاه “إيران” المجاورة ومتاخمتها لروسيا الإتحادية ودول البلقان وقطرَين عربيين وإممتلاكها مضائق إستراتيجية تتحكّم في التجارة البرية بين “آسيا” والقارة الآوروبية وتستحوذ على خطوط الملاحة بين البحرين الأسود والأبيض المتوسّط، تُضاف إليها عوامل عديدة جيوستراتيجية يطول تعدادها.
لذا يحتمل كثيراً -في حالة بدء عملية “تل أبيض”- أن تقف “واشنطن” موقف المتفرّج ولا تتدخّل ميدانياً بقواتها البرية والجوية وتكتفي بالتصريحات وبعض الإستنكارات، في حين ستظلّ على دعمها للأكراد بالأموال والسلاح من دون أن تضحّي بجنودها، وتبقى مستحوذة عليهم لتستثمرهم أوراق ضغط تحركهم أينما ووقتما وكيفما تشاء، كما تعاملت معهم في “العراق” وسواه منذ الستينيّات ولغاية يومنا هذا.
لماذا يحصّن الأكراد مواقعهم؟
عسكرياً من حقّهم ذلك وهم يراقبون قوات تركية تتحشّد قبالتهم وتتهيّأ لإقتحام بقاع يسيطرون عليها ويتمتعون بخيراتها ومواردعا ويتحكمون في أمورها. إلاّ أن التحصينات تشير كذلك إلى عزم الأكراد للدفاع عن “تل أبيض” كي لا تقتحمها القوات التركية بسهولة، وإلحاق الخسائر في صفوفها وتعويق تقدّمها لأقصى مدة ممكنة.
إستراتيجية “تل أبيض”
القادة الأكراد يقدّرون جيداً أن “تل أبيض” هي “الأرض الحيويّة” -حسب المصطلحات العسكرية- لعدة أسباب:-
• كونها تقع على أفضل طريق دولي ينزل من مدينة “أورفا” التركية نحو مدينة”الرقة” السورية.
• أن الإقتحام التركي -لو حدث- فإنه يفضّل التقدم على هذا المحور وترك بلدة “عين العرب/كوباني” التي يعتبرها الأكراد رمزاً.
• أن الأتراك لو توفّقوا في إختراق “تل أبيض” ونزلوا جنوباً (40) كلم فقط فإنهم سيستحوذون على ملتقى يتحكّم بـ(4) طرق عامة تربط “الحسكة وقامشلي” شرقاً بـ”كوباني ومَنبِج” غرباً، وولاية “أورفا” وبلدة “تل أبيض” شمالاً نحو محافظة “الرقة” جنوباً.
• ما أن يمسك الأتراك بهذا الملتقى فإن الأرض الفاصلة بين “تل أبيض” شرقاً ومجرى “نهر الفرات” غرباً ستُعدّ بحكم المرتبكة عسكرياً ويصعب الدفاع عنها، وقد يكون بإقتدار القوات التركية فرض حصار بمناورة إلتفاف أو تطويق المدافعين فيها.
إستراتيجية “تركيا” في “تل أبيض”
الحكومة السورية تتهم “تركيا” كونها تقدم على إحتلال أجزاء من الأرض السورية مثلما عملت في “جرابلس وعفرين”.
وتدرء “آنقرة” هذه التهمة عن ذاتها مستندة على عدة نقاط:-
• تمتلك “تركيا” وطناً شاسع الأرض والبراري ذا كثافة سكانية فوق الوسط وبواقع (أربعة) أضعاف كل الوطن السوري، لذا فإنها ليست بحاجة لمزيد من الأرض.
• لا تبتغي -كما في عمليتَي “درع الفرات وغصن الزيتون”- سوى تحقيق مناطق آمنة تحميها القوات التركية وعلى نفقة دولتها، فتنقل إليها ألوف اللاجئين السوريين مع مخيّماتهم كي يعيشوا في أرض وطنهم ووسط أقرانهم متنعّمين بلغة واحدة وثقافة متقاربة وخدمات بلدية لا بأس بها ومناهج دراسية سورية وسط مدارس تفتحها “تركيا” لأولادهم، كما باتت عليها بلدات “جرابلس، الراعي، الباب، عفرين” التي أضحت بمجموعها آمنة -نسبياً- في غضون عامَين إنقضيا.
• تتعهد “تركيا” بسحب قواتها وترك كل هذه البقاع حالما تهدأ الأوضاع ويستتب الأمن فيها وتعود الحكومة السورية لتقديم الخدمات البلدية لمواطنيها المحرومين طيلة ما يزيد على (سبع) سنوات ونصف، وما زالوا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات