الرئيسية / المقالات السياسية / اللقلق بين الأمس واليوم جمهور كركوكلي

اللقلق بين الأمس واليوم جمهور كركوكلي

 كانَ مِن المعتادِ في العُقود التي سَبَقتْ عَقْدَ الثمانينيات مِن القَرنِ الفائت ، رؤية اللقالق وهي تَبني أعشاشَها في الأماكنِ العالية في مُدننا وقرانا ، قَبل أن ترحلَ إلى غيرِ عودةٍ ، بعد أنْ شبّت نيرانُ الحرب العراقية الإيرانية ،والحروبِ والمصائب التي تلتها . والمعروف أن هذه الطيور المهاجرة والمسالمة ، تحّب العُزلةَ ، وتَفزعُ من أصواتِ القنابل، وتُثيره لعلةُ الرصاص ،

وكنتُ أرى في طفولتي ومُستّهلِ صباي ، هذا الطائرَ الجميل، ذا المنقارِ البرتقالي الطويل، وهو يَبني عُشّه فوق مأذنة جامع النبي دانيال في قلعةِ كركوك ،كنتُ أراهُ ُكلَّ يوم قبل مَغيبِ الشمس، وهو يَهبط فوقَ عُشه الضخم مُدلّياً ساقيهِ الطويلتين ، حتى إذا أستّقر في عشّه ، يمّد رقبتَه البيضاء الطويلة فوق ظهره ، ويُطقّطقُ برأسٍ مُنقلب الى الخلف ( كنا نعتقد أنه يصلي ) هكذا كانَ يقول ُلنا اباؤنا ، خشية أن نؤذيها أو نصطادَها بدافعٍ طفوليٍ نزِق .

كما كانَ الأهلُ يوصوننا أن نولِيَ هذا الطائرَ الجميل ، الأهتمام الزائد (لأنه يحّج بيتَ الله كلَّ عام ) لذلك لم نكن نُسمّيه باللقلق ، وإنما نُكنيّه بكناية الحج ونسمّيه ( حجي لقلق ) .!

ويَتداولُ العراقييون قصةَ لقلق الكنيسة ، التي صارت فيما بعد مَضربَ مَثل، لكل أنسانٍ مُتلّونٍ وذي أوجهٍ متعدّدة ، والحكايةُ كما قرأتها في بعضِ الكتبِ تقولُ :

أنَّ لقلقاً أختار برجَ كنيسة ، وبنىٰ فوقه عُشّه ،مما سـّبب ازعاجاً لشمّاسِ الكنيسة (والذي هو بمثابةِ مؤذن الجامع عند المسلمين ) فأشـتكىٰ أمره للقـّس ، إذ أنه كلّما قرَعَ ناقوسَ الكنيسة تساقط عليه القِشُّ والذَرَق ( الذروگ ) المُتيّبس ،

فأوصاهُ القسُ بأن يأخذ قطعةً مِن كبد جَمل ويُملّحها بصورةٍ جيدة ( ولحمُ الجَمل يُسبّب العطشَ ويَستحرِمُ اليهودُ أكله ) ، ويضع بجوارها كاسةَ خمرٍ مُعتّقة ، فعندما يأكلُ اللقلقُ كبدَ الجَمل يَعطش ،وسيضّطر الى شُربِ الخمر فيسكر ويصبحُ ثقيلَ الحركة وغيرَ قادرٍ على الطيران ، فيصعدُ إليه الشمّاس ويذبحه .

أتبّع الشـماسُ التعليمات بحذافيرها حتّىٰ سَكرَ اللقلقُ ، فصعدُ إليه الشماسُ وأمسكه من رقبته ، سَحب السكّين وسأله : باي دينٍ تدين أيهّا المتلّون ؟

فلَو كنتَ يهودياً ، كيف أكلتَ كبد الجمل ؟

ولو كنت نصرانياً ، كيف تتجرأ وتقضي حاجتك وتتبّرز على الناقوس ؟

ولو كنتَ مسلماً، كيفَ تشربُ الخمر ؟

والقصةُ معروفةٌ ومتداولة ٌفي الأوساطِ الشعبية ، وذَهبَتْ مَذهبَ الأمثالِ ، وتُضرب لكّل متلّون أعتاد أن يكيّف نفسه حَسبَ الزمانِ والمكان ِوالظروف، وما أكثرهم الآن مَع الأسف ..!

إنهاء الدردشة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات