الرئيسية / المقالات السياسية / الدولمة .. الأكلة والموروث // جمهور كركوكلي

الدولمة .. الأكلة والموروث // جمهور كركوكلي

 يكادُ يتّفق معظمُ الباحثين على أن أكلةَ الدولمة هي من إبداعات المطبخ التركي ، وأنها من أصلٍ تركي ، أنتقلتْ الى بلادنا إباّن حُكمِ العثمانيين ، ومَلكَتْ قلوبَ العراقيين ومِنهم أهل كركوك الذين شَغفوا بها وتوجّوها مَلِكةً على مائدتِهم في الحِلِّ والتِرحال ، فهي الاثيرةُ عندهم، والعزيزةُ على قلوبهم في الأعياد والولائم والمناسبات ، وتفننّت ربةُ البيت التركمانية في إضافة لمسِاتها الساحرة على هذه الاكلة وأكسَبتَها طابعَها الخاصِ بها ، وتُعرف الدولمة في البلدان الأخرى أيضاً ، بمسمياتٍ مختلفة ومتنوعة ، فهي المحشّي والصارما والياپراغ وورقِ العنب ووَرقِ العريش ، ومُسميات أخرى كثيرة ،

لكن تبقى الدولمة الكركوكلية ، بموادها الأساسية المتكّونة من الرز واللحم المفروم والخيار والباذنجان والشجر والبصل والفلفل، فيما يحتل السلق أو ورق العنب او اللهانة صدارة المواد الأساسية للأكلة ، والاضافات التي أوجدَتها ربّةُ البيتِ الكركوكلية وخلطتها السحرية ، هي اشهاها مذاقاً ، واطيبها نكهةً . ولطريقةِ تناولِ الدولمة في كركوك ، طقوسها الخاصة وطريقتها الفريدة ، فهى تُؤكل بحضور كل افراد ِالعائلة ، بَعد أن تُقلبُ طنجرةُ الدولمة على صينيةٍ كبيرةٍ وهي ساخنة وتُقدّم كطبقٍ رئيسيٍ بلا مُنافس.! وأحتلّتِ الدولمةُ الكركوكلية ، مكانةً خاصةً في نفوسِ أهلِ المدينة ، حتى أنها دَخلت في أدبياتِهم ومروّياتهم،

ولعّل أشهر خورياتٍ بهذا المعنى ، ما شاعتْ في بداية الستينّيات من القرنِ الفائتِ على لِسانِ المُطرب الراحل صدّيق بنده غفور وهو يَروي قصةَ اللقاءِ الذي تّم بينه وبين حبيبِته ، إذ دَعتهُ في وليمةٍ مُترفة على أكلةِ ورقِ العنب ، بينما دَعاها هو إلى عريشهِ الباردِ المُسيّج بورودِ القَرنفل ، لِيتّم هناك باقي الفُصول الرومانسية لذلك اللِقاء ، فيقول:

(يار مني دعوت ايتي ينگي ميو يارپاغنا من ياري دعوت ايتتيم قنفيل چارداغينا) وَلمْ يقتصر تناول الدولمة كمادةٍ أدبيةٍ شعرية ، بل حازتْ على شُهرة ٍواسعة في عَالم الأمثالِ والحِكَم ، وهو مانجدهُ مُتداولاً على ألسِنةِ العامة عبر المثلِ المشهور (اگر حيلت نداري چرا لفلف ميكوني) وقصته هي كالاتي : دَعا عراقيٌ صديَقه الايراني لِطعامِ العشاء ، فجلبَ الخادمُ طبقاً كبيراً من ( الدولمة ) فقال له العراقي :

بفرما آغا ( تفضل آغا ) . أما الايراني فقد امتنعَ عن تناوِلها بعد أن تأمل في الدولمة التي لم يألفُها في بلاده ، فتأثر العراقيُ من هذا التصّرف ، و أخذ يتحدث لضيفِه عن لذةِ الدولمة و طِيبِ مَذاقِها غير أن الضيف قال له : در إين طعام حيلت هست ( أي ان هذا الطعام مغشوش ) فتَعّجبَ صاحبُ الدعوة مِن ذلك و سأله بالفارسية : چرا ؟

(لماذا) فغضب الضيفُ و قال :

اگر حيلت نداري چرا لفلف ميكوني . ؟

أي ( لو لم يكن الطعام مغشوشاً فلماذا لففتموها ) .؟

حيث يُضرب لأمرٍ يَشوبُه الغموضُ والريبة .. فذهبَ قولُه مثلاً ،هنيئاً ومريئاً لكل من تناول َالدولمة هذا اليوم أو في أي يومٍ آخر

مع العلم أنني لستُ مِن هُواة الدولمة…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات