الرئيسية / بحوث ودراسات / تداعيات عند مَرقدِ الرومي — جمهور كركوكلي

تداعيات عند مَرقدِ الرومي — جمهور كركوكلي

لِكي تَحظى بزيارةِ مرقدِ مولانا جلال الدين الرومي ، بكّل إحتشامِه ِ وجَلالِه ، لابّد أن تستوفي شروطَ تلِك الحَظوة ، أولاً يجب أن تكونَ عاشقاً ًصادقاً كتوماً مُضّحياً ، أليسَ هو القائل ( ما لامسَ الحبّ ُشيئاً ، إلا وجَعَلهُ مقدساً ) وَهاكَ مقولةً أخرى لهُ في ذاتِ المَعنى ( إذا رأيتَ هذا الرأسَ مليءٌ بالسعادة ومُتخم بالفرح ،كلّ ليلة وكلّ نهار ،أعلمْ انّ أصابعَ الحبّ قدْ لامَستهُ ُ)

لِذا وأنا أعي هذه الحقيقة وعرفتها مِنْ قبلُ أيضاً ، فقد تسلحت بسلاحِ الحُّب وتمنّطقتُ بحِزام العشق وأنا أخطو نحوَ الضريح المُكتّظ بعشراتِ الزوار الذين وَفدوا مِثلي مِن شّتى بقاعِ الأرضِ بحثاً عن الراحةِ النفسية التي وجدوها هنا عند الرومي بعدما عجزوا عن الاهتداءِ اليها والعثورِ عليها في الخارج ، أكثرُ الزوّار كانَ من اليابان والصين وكوريا ، فهولاءِ أبناء الشرق الأقصى يُولونَ السياحة َالروحية إهتماماً خاصاً ، عكس أبناءِ الشرقِ الأوسط مِن الذين تستهويهم أنديةُ الليلِ والمطاعمُ الفارهة عِند السياحةِ والسفر ، فهؤلاءِ يبحثونَ عنْ ما يملأ ارواحَهم ، واولئك يبحثونَ عن أشياءٍ تملأ بطونَهم ، وشتاّنَ بين هؤلاءِ و اولئك.
وأنا على بُعدِ خطواتٍ من مرقدِ الرومي ، لا أدري ما الذي ذكرّني بالانشودة الدينية التي كنتُ أسمعها في مجالسِ الذكر بكركوك ، يُنشدها قراءُ ُالمقام والتي تقولُ كلماتُها:
إنْ شكوتَ الهوى فما أنتَ مِنا فاحمل الصّدَ والجَفا يا مُعّنى
تدّعي مذهبَ الهوى ثم تشكو أين دعواكَ في الهوى يا مُعنّى
قمْ مِن النومِ وأطرد الهّم عنا يا غزالاً إذا مَشى يتثّنى
قُم لقد قامتِ الطيورُ تُغني لايكونُ الحمامُ أطرب مِنّا
ما عشقناك للصفاتِ ولكن نحنُ قومٌ اذا نظرنا عَشقنا
لا أدري ما الرابط المعقول بين تلك الانشودة الدينية التي سمعتها منذ عشرات السنين ، وبين ماأنا عليه الان من رهبة ٍ، وخوفٍ ، وقلقٍ نفسي ، في حضرة مَنْ كنتُ أمنّي النفسَ حتى ألقاهُ وازوره ، وألثمُ قبره وأبكي بِحرقةٍ ، يجوز أن يكون حالة الهلوسة التي يشعر بها من يتعرض للخوفِ والرِهاب كالذي يحّس به المريضُ الذي يتأهب لدخولِ صالة العملياتِ لأجراءِ عمليةٍ كبرى..!
فجأةً ، أفقتُ على صوتِ نايٍ ينبعثُ من مُكبراتِ الصوت المبثوثة في انحاء المتحف ، النايُ الذي يُعتبر عند الرومي رمزاً مثالياً للنفسِ التي لا يُمكن أن تنطقَ بالكلمات إلا عندما تَمسّها شَفتا المَعشوق وتُحرّكها نَفَسُ المُرشد الروحي وهو ما يُفسّر عظيمَ إهتمام الرومي بالناي، فلقد بدأ ( المثنوي ) بحديثٍ عنه وَوصفَ نغماته بأنّها حنينٌ إلى مَنبتِه الذي قُطع منه قبل أن تتناولهُ يدُ البشرِ لتشكل منه تلك الآلة الموسيقية الشجيّة، وقال فيه:
استمع إلى صوت الناي كيف يبث آلام الحنين يقول، مُذ قُطعت من الغاب وأنا أحنُ إلى أصلي .
في حَضرةِ الرومي كلُّ الكلمات تعجزُ عن بيانِ شيءٍ ولو يسير من الحب ، وكل الأفعال تُصاب بالعَرَج ، فلا تقو على الإفصاحِ عن جزءٍ ولو قليل من الإحساسِ والشعور ، ويَبقى الصمتُ في حَضرتِه هو الترجمان الحقيقي ، لِما يَجولُ في النفس من أمنياتٍ ، لعّل أكبرها ، وأقصاها ،أن احظى بالحضورِ الى هنا في السابعِ عشر من شهر كانون الأول القادم ، حَيث يتمُ الاحتفال في ذلك التاريخ بأحياءِ ذكرى ( شب عروس ) وتعني ليلة العَروس ، وهو يوم وفاةِ مولانا جلال الدين الرومي ، الذي أعتبرَ موتَه بمثابةِ العرس ، لأنه ألتقى فيه بحبيبه ( الذات الألهية ) .
أتمنى أنْ أحضَر الى قونيا وبالذات إلى مرقدِ مولانا جلال الدين الرومي في يومِ ( شب عروس ) كيْ اذوقَ الموتَ وأنا على قيدِ الحياة

+ اللوحة من اعمال الفنان المغترب برهان صالح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات