الرئيسية / المقالات الأدبية / الميثومانيا في مقاهي كركوك ……. جمهور كركوكلي

الميثومانيا في مقاهي كركوك ……. جمهور كركوكلي

 بدءا لا بُدَّ مِن تعريف الميثومانيا ، التي هي عِبارة عن عِلّةٍ نفسية مُزمنة وُصفتْ أوّل الامرِ عام ۱۸۹۱ مِن قِبل الطبيب النفسي الألماني ( انتون ديلبرك ) ، و تَقومُ بتحفيز صاحبها لاختلاقِ القَصص والاحداثِ التي تدور حَوله في الغالب لاشباعِ رغباتٍ نفسيةٍ بحتة ” ،

وقد تكون تلك القصص المُختلقة مبنيّة على وقائع حقيقية أو بِها جزء أو جانب مِن الحقيقة ، ويتمتّع مَن يُعاني من الميثومانيا عادةً بذكاءٍ ومَلَكةٍ لغوية إذ يُجيد التحدث والتواصل ورُواية القصص المختلقة بكل ثقِة ، وعادةً ما يُصدق الآخرون قصصه لأنه هو ذاتُه يُصّدق كذبه ويقتنع به ، وقد يبلغ به التصديق مَبلغَ الوهم ، فيصعب إقناعه هو ذاته بأنه يكذب وشَاعتْ قي بعضِ مقاهي كركوك قديماً ، ظاهرة ( قصه خون ) أو الراوي اوالحَكواتي اوالقوّال ، الذي يتصّدر المجلسَ في المقهى ، ويُلقي قصصَ المغامرات والتشويقِ والاقدام ، ويروي الاساطير والبطولات ، لِجذبِ أكبر عددٍ من الزبائن الى المقهى ، والى جانب ( القصه خون ) ،

كان للمتكاذبِ أو ماكان يُطلق عليه لقب ( فورطاچي ) حُضور متمّيز في المقهى ، حيث يقوم بروايةِ القصص والمَحكيّاتِ الغريبة والخيالية ، لجذبِ الاهتمام والانتباه ، ومن أشهر المُتكاذبين الذين ذاعَ صيتُهم بكركوك في العقدِ الرابع من القرنِ الماضي ( حِنْتلَهَ ) الذي كان صاحبَ خبرة ودرايةٍ في أختلاق القصص الطريفة والبطولات ، ويُنسبها الى نفسه ، بِداعِ التظاهر بالشجاعة والقوة ، والوَيل كل الويل لِمَنْ لا يُصدقه أو يعترض على كلامِه ،

يقول (حِنتله ) في واحدةٍ مِن رواياته العجيبة : كُنت جندياً في جَبهة ( القَوْقاز ) إباّن حربِ سفربلك ، وصادف أنْ طاردتني قوةٌ كبيرةٌ مِن العَساكر الروس ، ولمّا لمْ يَكنْ معي أحدٌ مِن رفاقي الجنود ، أضطررتُ الى الهروب والأختباء ، فَدخلتُ مَغارةً بين الجبال ، فكنتُ أركض تارةً ، وأهرّول تارةً أخرى ، طلباً للنجاة ، وظللتُ على تِلك الحال ، أياماً وليالِي ، حتى وصلتُ الى فتحةٍ في نهايةِ المَغارة ، فخرجتُ منها

فاذا أنا أمام مَرقد ( أبو علوك ) بالمصلى .! وبين إعجاب السامعين لروايتهِ مِن جهة ، والمنتقدينَ لها ، يَمضي ( حِنتله ) متواصلاً في سَردِ حكاياته العجيبة والخيالية ، فيسال روادَ المقهى الغاص بالمستمعين الذين يحضرون خصيصا للأستماع الى مكاذابته :

اتدرون أين كانت قلعة كركوك من قبل .؟

فيجيبه احدهم : لا .. لا نعرف ..

ويُكمل ( حِنتله ) حديثه قائلاً : كانتْ قلعةُ كركوك فيما مَضى ، خلفَ مرقدِ الامام أحمد الحالي ، وكنتُ ذاتَ يوم أرومُ الذهاب الى سوق الحلوجية لأنجاز عملٍ عند أحد الحدادين هناك ، فربطتُ عِقالَ بعيري ببابِ القلعة ، وذهبت مَشياً على الاقدام ، ولمّا كانَ بعيري شديد التعلّق بي ، ولا يَقْوَى على مفارقتي ، أرادَ اللحاق بي ، فَجَّر القلعةَ رويداً رويداً حتى أوصلها الى مكانِها الحالي ، قبلَ أنْ أنتبه اليه ، حيث قُمتُ بِفكّ العِقالَ من باب القلعة ، خوفاً مِن أنْ يجّرها البعيرُ الى مكانٍ أبعد…!

واليوم اذ صار حنتله بمروياته العجيبة والغريبة ومثله من هم مصابون بمرض الميثومانيا ، جزءا من الماضي ويُستذكرون بين الحين والأخر ، فأن هناك اليوم العشرات من امثاله ، يطلّون علينا من شاشات التلفزيون ، ويروون مكاذباتهم وقصصهم المليئة بالعجائب والغرائب ، دون أن يقول لهم أحد : على عينك حاجب .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات