الرئيسية / المقالات الأدبية / مَنْ يفعل ما فَعَلهُ خيرالدين ؟… جمهور كركوكلي

مَنْ يفعل ما فَعَلهُ خيرالدين ؟… جمهور كركوكلي

مِن بين الكثير مِنَ العادات المفيدة والأيجابية التي كانت سائدةً في زمنِ الأمس الجميل ، وأندثرتْ اليوم ، أو شَحّتْ ، بفعل التغيرات التي طرأت على نَمطِ حياة مُجتمعِ اليوم ، هي عادة تشجيع الأطفال على إدخار جزءٍ من مصروفاتهم اليومية ، ووضعه في ( الدخل ) وهو عبارة عن كوزٍ بيضوي الشكل ، به ثُقب من الأعلى ، يضع الطفلُ من خلاله النقودَ المعدنية ، لغرض الادخار وجَمْعِ النقود ، ليجده بعد مدةٍ قد أمتلأ بالقطع النقدية التي تجعل منه ثرياً بمقاييس الطفولة.

وكانَ ( الدخل ) وسيلةً التفاعل الأولي بين الطفل وبين عالم الادّخار ، وقد ألِفَهُ الجيلُ السابق ، ولم يكن ْ يَخلو منه بيتً ، بأشكاله البسيطة المصنوعة من الفخار او ماكان يُستعاض عنه بِعُلب المعجونِ أو الحليب المجّفف ، الفارغة ،. ومِن ثُم، وبمرور الزمن، تنوّعت هذه الأشكال لتكونَ عصريةً . ورغم ذلك بقي هدفُ ( الدخل ) واحداً، وهو تعويد الأطفال على الادّخار وتقدير قيمة المال . وكان الطفل يكتسب هذه العادة تلقائياً ومن دونِ إدراكٍ منه ، معتقداً بأنه يلعب .!

وقدْ تفنّنت الأم الكركوكلية قديماً ، بِحُكم خِبرتها الحياتية ، وموروثها الثقافي ، في تبّني مفهومَ الادخار ، ولقتّنه لابنائِها ، لمراعاة الحدِ الأدنى من الجانبِ الاستهلاكي في حياةِ الاسرة والتقليل من الكماليات التي يُمكن الاستغناء عنها ، وقد أدركتْ تِلك الأم الرائعةُ معنى أن ( القرش الأبيض ينفعُ في اليوم الأسود ) والذي يعني بمفهومه المُبسّط ، التأهب المُسبق لِما قد يحدث في المستقبل الذي لا يبدو غالباً ،

واضحَ المَعالم ، لذلك فثمة فرق واسع ، وبَوْن شاسع ، بين الطفل اليوم ( المُسرف) الذي يتباهي بين أقرانه ، باقتناء أحدث موديلات الموبايل واغلاها ثمناً ، وبين طفلِ الأمس (المُقتصد ) الذي كانَ يقتطعُ جزأً من مصروفه اليومي ويدّخره ب ( الدخل ) ليحتفل به بعد أمتلائه ، ويصرف مدخراته في شراء حقيبته المدرسية ، او كسوةً يلبسها في العيد ، او دراجةً هوائية ، يقضي بها حاجته ويلهو بها مع اصدقائه في وقت فراغه. ومادام الحديثُ يدور حول الادّخار واهميته في الحياة ،

فلا بأس من ذِكر قصة ذلك البقال الفقير ، الذي عاش في القرن الثامن عشر بمنطقة ( فاتح ) بمدينة إسطنبول ، واسمه ( خير الدين كچچي زاده ) كان يتمنى بناءَ جامعٍ قُربةً لله تعالى ، ولكن مِن أينَ له ذلك ، وهو الفقير المُعدَم ، وبناءُ جامع يتطلب مبلغاً كبيراً مِن المال.؟

فكّر الرجل في طريقةٍ يستطيع بها ، تحقيقَ حُلمه ، فقرّر أن يخوضَ حرباً ًمع غرائزه النفسية ، فكان حينما تتوقُ نفسُه لشراء فاكهةٍ او لحم او حلوى ، يقول لنفسه ( صناكي يدم ) ومعناها بالعربية ( كأني أكلت ) ثم يحفظ ثمن تلك الفاكهة او اللحم او الحلوى في صندوقٍ خاص.

وظّل خير الدين على تلك الحال ، لسنواتٍ عديدة ، وازدادت نقودُه شيئاً فشيئا ً، حتى أستطاع في النهاية ، تحقيق حُلمه وبناء جامعه ، الذي مازال قائماً حتى يومنا هذا ، وينتصبُ ببنائه المتواضع ، بزقاق قرپاجيلار بمنطقة فاتح بأسطنبول ،

ويحملُ إسمَ جامع ( صانكي يدم )، أي كأني أكلت ، وهو شاهدٌ حيّ على قصة إنسانٍ مكافحٍ مُقتصد أستطاع إيجاد طريقة غريبة وشاقة في الادّخار ، وبنى جامعه ذا الاسم الغريب ، كغرابةِ قصةِ صاحبه ، خير الدين كچچي زاده..!

ويَحِقُ لنا الآن أن نتساءل :

مَنْ يستطيع أن يفعل مثلما فعلَ خير الدين ؟ …!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات