الرئيسية / المقالات السياسية / مشاهداتي عن إنتخابات تركيا // د. صبحي ناظم توفيق

مشاهداتي عن إنتخابات تركيا // د. صبحي ناظم توفيق

مشاهداتي عن إنتخابات تركيا // د. صبحي ناظم توفيق
 “عميد ركن متقاعد… دكتوراه في التأريخ
27/حزيران/2018

قلّما أميل لخوض كتابات سياسية، ونادراً ما أكتب عن “تركيا” خشية أن يتصوّر البعض أني منحاز إليها أو أمتدحها لأسباب عِرقيّة وقومية… إلاّ أن هذه الإنتخابات المبكّرة التي جازف بإجرائها الرئيس “رجب طيّب أردوغان” وقَدَّمَها حوالي (17) شهراً عن موعدها الدستوري المحدد (3/ت2- نوفمبر/2019) أثار الكثير من المشاعر في نفوس محبّيه ومُناهِضيه وبين المُعجَبين بشخصيته ومستويات أدائه في الحكم لما يربو على عقد ونصف من القرن/21، يقابلهم من يتّهمه بترسيخ نظام حكم دكتاتوري- شمولي.

وقد تابعنا مقالات عديدة ورصينة نُشِرَت في الصحف ومواقع التواصل الإجتماعي معظمها مديحِ والبعض قديح لتُضاعِف تلكم الأحاسيس المتضادّة، والتي دفعتني أن أخوض هذا المعترك لأعرض مشاهداتي الشخصية عن يوم الإنتخابات الذي وافق (الأحد-24/حزيران/2014) فأسجّلها إفادةً لمتابعي تأريخ “تركيا” المعاصر الذي يشهد في هذه الحقبة تطورات وتغييرات شبه جذرية…. فإليكموها على شكل نقاط موجزة بعيون عراقيّ مستقل يقيم في “إستانبول”:-
أبرز التعديلات الدستورية
قبل الخوض في شأن هذه الإنتخابات المبكرة لا بد من إلقاء نظرة سريعة على أبرز التعديلات التي طرأت على الدستور التركي مطلع عام (2017) كي نكون ببعض الصورة عمّا يخص هذه الإنتخابات بشكل مباشر أو سواه:-
– رفع عدد نواب البرلمان من (550) إلى (600).
– تجري الانتخابات العامة والرئاسية في نفس اليوم كل (خمس) سنوات.
– يستخدم البرلمان صلاحيته في الرقابة والتفتيش والحصول على معلومات عبر التقصّي البرلماني أو الإجتماعات العامة أو التحقيقات البرلمانية أو الأسئلة الخطية.
– لا يقطع رئيس الدولة صلته بحزبه.
– ولاية رئيس الدولة (خمس) سنوات، ولا يحق له أن يتولّى منصب الرئاسة أكثر من مرتين.
– المرشح الذي يحصل على أغلبية مطلقة في الإنتخابات يفوز بمنصب الرئاسة.
– يتولّى رئيس الدولة جميع الصلاحيات التنفيذية وقيادة الجيش والقوات المسلحة.
– يحق لرئيس الدولة تعيين نائبيه وجميع الوزراء وإقالتهم.
– يعرض الرئيس القوانين المتعلقة بتغيير الدستور على إستفتاء شعبي في حال رآها ضرورية.
– يحق للرئيس إصدار مراسيم رئاسية في مواضيع تتعلق بالسلطة التنفيذية، ولا يحق له إصدارها في المسائل التي تنظمها القوانين بشكل واضح.
– يُعتبَر المرسوم الرئاسي مُلغىً في حال أصدر البرلمان قانوناً يتناول الموضوع ذاته.
– يحق للبرلمان طلب فتح تحقيق بحق رئيس الدولة ونوابه والوزراء، ولا يحق للرئيس في هذه الحالة الدعوة إلى إنتخابات عامة.
– يحق للرئيس تعيين نائب له أو أكثر.
– تسقط العضوية البرلمانية عن النواب الذين يتم تعيينهم بمنصب نواب الرئيس أو وزراء.
– يجوز للبرلمان إتخاذ قرار بإجراء إنتخابات مبكرة بموافقة (ثلاثة أخماس) مجموع عدد النواب.
– يحق للرئيس إعلان حالة الطوارئ في حال توفر الشروط المحددة في القانون.
– تُلغى المحاكم العسكرية، بما فيها المحكمة العسكرية القضائية العليا والمحكمة العسكرية الإدارية العليا.
– يُحظر إنشاء محاكم عسكرية في البلاد بإستثناء المحاكم التأديبية.
– يَعرِض رئيس الدولة الميزانية العامة على البرلمان.
– يُلغى مجلس الوزراء ومنصب رئيس الوزراء، ويتولّى رئيس الدولة مهام السلطة التنفيذية وصلاحياتها بما يتناسب مع الدستور.
– تُجرى الإنتخابات العامة والرئاسية المقبلة في 3/نوفمبر- تشرين الثاني/2019).
أيام سبقت الإنتخابات
• بعد أيام من إعلان الإنتخابات المبكّرة وتحديد يوم (24/حزيران/2018) موعداً لإجرائها، فإننا لم نستشعر كثيراً بحملات الدعاية الإنتخابية التي خاضها المرشحون للرئاسة والأحزاب قبل شهر من يوم الإقتراع المُزمَع، سوى تعليق صور المرشحين الستة وأسماء الأحزاب المشاركة بشكل حضاري وفي مواقع مخصصة أساساً للإعلانات العامة، فيما كانت صور صامتة أو أفلام فيديو تُعرَض على القنوات الفضائية خلال الأوقات المخصصة للإعلانات العامة كذلك، في حين كان تعليق الصور في الساحات والمفترقات والمتنزهات وواجهات المباني الحكومية والخاصة وأسطحها شبه معدوم.
• لم يُقطَع طريق أو يُغلَق متنزه، ولم يُمنَع مواطن من إجتياز ساحة أو ملتقى طرق حتى لو كان رئيس الجمهورية يلتقي مع الجماهير ويخطب في أوساطهم، ولم نَرَ مدرعات وعجلات قتال وجنوداً أو أفراد شرطة مدجّجين بالسلاح ينتشرون هنا وهناك لا قبل الإنتخابات ولا في يوم إجرائها أو عند إعلان النتائج.
• كانت ورقة إبلاغ مفوضية الإنتخابات لـ(56) مليون تركي لهم حقّ الإقتراع قد سُلِّمَت بين أيديهم أو إلى مساكنهم عن طريق بريد خاص قبل أسابيع، وحُدِّدَ فيها المركز الإقتراعي القريب من منازلهم، سواء رغبوا بالحضور أم لم يَشَأوا.
• لم يكن هناك ((تصويت خاص)) سوى للأتراك المقيمين خارج الوطن لدى (60) دولة وقد أُجرِيَ يوم (22/حزيران) بتغطية إعلامية متواضعة.
• أما ((التصويت الإستثنائي)) بذات يوم الإقتراع فقد حققته مجاميع جوالة من موظفي المفوضية حضرت في المستشفيات وزارت منازل ذوي الإحتياجات الخاصة والـمُسِنّين والسجون والمعتقلات.
• جميع مراكز الإقتراع إحتضنتها المدارس الحكومية أو مبانٍ تابعة لدوائر الدولة، ليس لكونها صالحة لذلك فحسب، بل لأن غالبية مديريها وكوادرها وموظفيها لا ينتمون لأي حزب… وقد علمتُ مؤخراً أن معظم موظفي الدوائر الحكومية ومؤسساتها ما داموا يقبضون رواتبهم من موازنة الدولة فإنهم يفضّلون أن يكونوا مستقلّين غير مرتبطين بحزب قد يفرض على أعضائه أوامر وتوجيهات خارجة مسار الدولة، ويشتمل ذلك من مستوى مستشار (وكيل) الوزارة والمديرون العامون نزولاً إلى البوّاب والحارس والمنظّف.
يوم الإنتخابات
• منذ الساعة الثامنة من صباح (الأحد-24/حزيران) لم أشاهد ولو شرطياً واحداً يحرس المراكز القريبة لمسكني في خارجه وداخله أو قريباً منه، بل كان هناك أفراد أمن -لا يحملون أي سلاح- إستأجرتهم مفوضية الإنتخابات من شركات خاصة، وذلك خشية أن يُقال أن جهازاً رسمياً تابعاً للسلطة التنفيذية ربما يكون ذا تأثير على سير الإنتخابات.
• وعلمتُ أن ((لا تصويت خاص)) لقادة الدولة وزعماء الأحزاب والوزراء وكبار القادة العسكريين والمخابراتيين والأمنيين وجميع منتسبي تشكيلات الجيش والقوات المسلّحة والأجهزة الأمنية ضباطاً ومراتب، إذْ يحضر أي منهم بصفته مواطناً إعتيادياً لدى المركز الإنتخابي المفتوح وسط الحيّ السكني لمنزله.
• لا يُسمَح للضباط والمراتب المجنّدين والإحتياط الإدلاء بأصواتهم إن كانوا في ثُكناتهم العسكرية، وذلك لإحتمال تأثّرهم بأوامر قادتهم وتوجيههم بالتصويت لهذا الطرف أو ذاك.
• ورقة الإقتراع الأولى إحتوت صوراً لـ(ستة) متنافسين لرئاسة الدولة، ولا أعتقد أن أبسط المواطنين قد لاقى مشكلة في تأشير صوته لأحدهم.
• أما ورقة الإقتراع الثانية فلم تًحتَوِ العشرات أو المئات من أسماء المرشحين التي تُحَيّر المواطن المقترِع وتُدَوّخ دماغه وتشتت أفكاره، بل هناك (11) دائرة فقط يتوسّط كل منها إسم حزب واحد، وليس على المواطن سوى ختم كلمة (نعم) لصالح الحزب الذي يرغبه، ويُبقي على القادة مهمّة توزيع مجاميع الأصوات التي إستحصلها حزبهم وفقاً لتسلسل مرشحيه ضمن قائمة واضحة إتفقوا عليها وأعلنوها قبل بدء الدعاية الإنتخاباتية.
• بالساعة الخامسة عصراً أُغلِقت مراكز الإقتراع، وخلال ساعة واحدة جلس الشعب التركي أمام شاشات التلفاز يتعقّب دقيقة بدقيقة أعداد الأصوات المُعلَنة والمتصاعدة تباعاً بالأرقام ولكل ولاية (محافظة) على حدة، والنِسَب المئوية لكل مرشّح للرئاسة ولكل حزب بمفرده، حتى إنتهى كل شيء بعد (ثلاث) ساعات فتوضحت النتائج الأولية أمام الجميع قبل أن يتدفّق الشباب الفرحون بفوز هذا وخسارة ذاك حتى منتصف الليل وقتما عاد الجميع لمساكنهم لأن يوم (الإثنين-25/حزيران) كان دواماً إعتيادياً لجميع الدوائر من دون إستثناء.
بعد الإنتخابات
• حسب النتائج المرئية للفرز والعدّ الألكتروني الفوري، فقد فاز السيد “رجب طيب أردوغان” بنسبة (52.5%) على منافسيه الخمسة، في حين لم تستطع سوى (خمسة) أحزاب فقط إجتياز (العتبة الإنتخابية) بإستحصالها نسبة (10%) أو تزيد من الأصوات، كون الدستور التركي المعدّل -منذ عقد الثمانينيات- ينصّ على أن أيّ حزب يخوض الإنتخابات ولا يحقّق هذه النسبة المئوية فإنه غير مؤهّل للجلوس تحت قبّة البرلمان، وعليه أن يُعِدَّ نفسه ويطوّر ذاته في غضون السنوات اللاحقات لإنتخابات أخرى.
• ستنتظر مفوضية الإنتخابات (عشرة) أيام تحت رعاية قضاة مُتمَرّسين للنظر في الطعون والمخالفات التي شابت العملية الإنتخابية برمّتها -إن أُثيرت- ومعالجة الشكاوى وتدبّر النواقص إن وُجِدت، فإن لم تتلمّس ما يُعكّر الصفو فإنها ستعلن النتائج النهائية وأسماء الفائزين الـ(600) المنتمين للأحزاب الخمسة الفائزات يوم (5/تموز/2018)، والذين سيحضرون تحت قبة البرلمان ظهيرة يوم (8/تموز) لأداء اليمين بصفتهم ممثلين للشعب التركي لـ(خمسة) أعوام قادمات.
• وخلال تلك الأيام الثلاثة -التي تسبق أداء القسم- يحق لأي من الفائزين أن ينسحب ليتبوّأ مقعده من إستحصل أعلى الأصوات من غير الذين أُعلِنَ فوزهم، ولربما يكون أحد أبرز أسباب الإنسحاب أنه موعود بمنصب نائب رئيس الدولة أو بحقيبة وزارية أو ترؤس مؤسسة ذات أهمية بالغة أو بمنصب سفير، إذْ ينص الدستور على أن أي نائب -في حالة قبوله بمنصب ما بعد أداء القسم- فإن مقعده يبقى شاغراً لغاية الإنتخابات القادمة، وفي هذا الإجراء خسارة للحزب الذي ينتمي إليه ومجاميع الناس الذين صوّتوا لصالحه.
• للرئيس “أردوغان” –إستناداً على التعديل الأخير للدستور مطلع عام (2017)- أن يشكّل خلال فترة أقصاها شهران وزارة جديدة يرأسها بشخصه بعد إلغاء منصب رئيس الوزراء، فينتخب وزراء من حزبه (العدالة والتنمية-A.K Parti) وحزب (الحركة القومية-M.H Parti) المؤتلِف معه، فضلاً عن تعيين نائب له أو أكثر، مع إحتمال متوقع أن يعيّن مستشاراً (وكيل وزارة) واحداً لكل وزير عوضاً عن سابقه، وإحلال شخصيات بمناصب رئيس هيأة الأركان العامة للقوات المسلحة ورؤساء الأجهزة المخابراتية والأمنية الكبرى محلّ القائمين عليها بالوقت الراهن.
• أما المديرون العامّون فهم موظفون متدرّجون مهنيّون، فلا يتوقّع أن يحصل في مواقعهم تغيير يُذكَر، إلاّ إذا شاء الوزير الجديد جلب أشخاص آخرين لتشكيل كادر ينسجم معه بشكل أفضل.

هذا ما إستطعتُ مشاهدته وتلمّسه من أمور سبقت هذه الإنتخابات التركية وما تبعته وما هو متوقّع في قادم الأيام، وقد أفادني البعض من الأعزاء ونَوَّروني بمعلومات لم أكن على دراية بها أو كانت مبهمة عليّ، وعلى الأخصّ صديق عمري العزيز “الأستاذ أرشد هرمزلو” المستشار الأقدم للرئيس السابق السيد “عبدالله كول”، فإلى شخصه وافر التبجيل والإحترام… والشكر موصول كذلك إلى نجل عديلي الشاب المتنور “المحامي مراد عمر عطا الصالحي” مع التمنيات له بالموفقية والنجاح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات