الرئيسية / المقالات الأدبية / القادمُ الفضيل ، هكذا كُنا نَستقبله .. جمهور كركوكلي

القادمُ الفضيل ، هكذا كُنا نَستقبله .. جمهور كركوكلي

بقلم / جمهور كركوكلي

قَبل حُلولِ شهر رمَضان الفَضيل بأيام وتحديداً في العَشر الاواخرِ من شهرِ شعبان ، كانتْ قلعة كركوك في أواسط الستيّنيات (حين وَعيتُ على الدنيا إذ ذاك ) ، تدخل عَتبة زمنٍ مختلفٍ تماماً ، عن مَثيلاته من إزمنة الاشهر المُنصرمة الأخرى ، فالكّلُ مْنشغل بإستقبالِ القادمِ الجديد الذي سيّغير نَمطَ الحياةِ اليومية لسكّانِ هذه المحّلة الموغِلة في القِدَم ،والتوّاقة لتلكِ الشَعائر الدينية المحبّبة والطقوسِ المتوارَثة ، التي توائِم وتلازِم أيام وليالي رَمضان ، فتُضفي عليها جمالاً لا يُدانيهِ جَمال ، وسكينةً وراحةً لنْ تجدهُما في مكانٍ وزمانٍ آخر ، ثمة لغط وحركة دؤوبة في كلِ مكان ، فَربّات البيوت دخلن سباقاً مع الزمن وأعّلن النفير العام ،
فَيكنِسنَ البيت ، ويُنظّفنَ الافرشةَ ويُهيّأن أدوات الطَبخ والطعام ، إستعداداً لاستقبال شهر رمضان بما يليق به من مَظاهر التعظيم والتبجيل ، وعجائزُ المحّلة ، يَحثّن الخُطى الى السوقِ الكبير الواقعِ الى الشرق من القلعة ، حيث الرئة التجارية للمدينة ، ففيها تَجِد العائلة ، مُبتغاها مِن اللوازم والمقتنيات ، و توارثت التبّضع منه في شهر رمضان وفي بقية المناسبات الدينية ، ففيها كل شئ ، مِن توابل وبهارات ،وفواكهَ مجففة ، وأغذية ، وشموع ، وانواع الصابون ، ولوازم البيتِ الاخرى.
وكانتْ جوامعُ القلعة ومساجدها وتكاياها ،تشهد حركةً دؤوبة تحضيراً لحلول الشهر المبارك ، إذْ يعمل المتطوعونَ من أبناءِ المحلة ، ذكوراً وإناثاً على تزيينها وتنظيفها وتهيئة أفرشتها وترتيب مصاحِفها وتجديد مصابيحها المعطوبة ، وكان إهتمامُ الكّلِ ينصّبُ على تزيين منارة جامع النبي دانيال التي تُعتبر من أقدم وأعلى منارات المدينة ، كَمَعْلمٍ بارزٍ من معالم كركوك ، فكانت تزدانُ بالنشرات الكهربائية الملونة وتُنار بمصابيحَ خضراء ضخمة ، إذ بها كان باقي سكّانُ المدينة يَستدّلون بمواعيدِ الامساك والافطار ، وجَرتِ العادة وقتذاك ، أن يَقومَ العسكري القيّم على مدفعِ الافطار بإطلاق القذيفة حالما يُضاءُ المِصباحُ الاخضر الضخم المنصوب فوق مَنارة جامع النبي دانيال ،
ومع إضاءةِ المِصباح الاخضر لِمنارة ِالجامع ، وسَماعِ دوّي إطلاق مدفع الافطار ، كان الصائمون في كركوك ، يَفطرون بعد صومِ يومٍ رمضانيٍ جميل ، والأجمل مِن كلِ ذلك ، هو الراحة النفسية والسكينة الروحية التي تَشعُرُ بِها ، وأنتَ تقضم تَمرةً وتحتسي شربةَ لبنٍ وتُردّد في قرارة نفسِك الدُعاء الرمَضاني المَعهود : (( ذهب الظمأ وابتلت العُروق ، وثبت الأجرُ إن شاءَ الله)) .

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏سماء‏ و‏نشاطات في أماكن مفتوحة‏‏‏

]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات