الرئيسية / المقالات الأدبية / التَرجمة الحَرفية .. وبَعض طرائفِها جمهور كركوكلي

التَرجمة الحَرفية .. وبَعض طرائفِها جمهور كركوكلي

صَادفتني جُملة من الطرائفِ والمواقف الغريبة خلال عَملي التلفزيوني وخصوصاً في مَجال صِياغةِ النَص الخبري وترجمته وأكثر ما كان يقع فيها من أخطاءٍ وهَفَوات ، مَردّه قِيام البعضِ من الزملاء المحررين بترجمة الخبر تَرجمةً حَرفيةً ، دون إعطاء الفُرصة للمَلَكَةِ الفنيّة والمَهارة الشخصية للتَعاملِ مَع النّصِ الُمتَرجَم بروحٍ إبداعيةٍ مُنفتحة ، تُضفي عليهِ لمسةً مُتفرِدة ومُميزة من غير المَساسِ بِجوهرِ الخَبر..

ومِن مَساويء الترجمة الحَرفية للنّص ، أنها تُفرِز أحياناً صِياغات بعيدة كلّ البُعدِ عن فَحوى النَّص الاصلي للخبر ،وذلك مُتأتٍ بلاشك مِن قِلة خِبرة المُحرّر المُترجِم ، وإفتقارِه الى المَهارةِ والقابليةِ اللُغوية والتصّرف السليم بالنّص ، والقدرة على قِراءة وفَهم المادة باللغة الاصلية فهما تاماً ، قبل الشروع بتَرجمتِها.

ومِن المَواقف الطريفة التي صَادفتني في هذا الصدد أن زميلاً لي ( وكان حديثَ عهدٍ بالمهنة وقليلَ التجربة في مَجال الترجمة الصحفية ) حرّر خبراً عن كارثةِ زلزالِ المحيط الهندي المُدّمِر الذي وَقع في 26 كانون الاول سنة 2004، وكُنا يومَها ، نُسابِق الزمنَ من أجلِ الحُصولِ على آخِر المُستجدات والاخبار المُتعلقة بالزلزال وتداعياتِه ، ومِنْ مُختلف المَصادر الاخبارية ، محليةً كانت أو عالمية .

جَاءنِي الزميلُ المذكور وبيدِه الخبر الذي إستقاه من مَصدرٍ إخباري تُركي ، قام هو بترجمِته الى العربية ، وأراد أن أطّلع عليه ، وأصّحح أخطائه ، قبل المُوافقة على نَشرِه .

قَرأتُ النَص ، وأستوقفتني فيه عِبارة ( المَوجات الغُولية ) فطلبتُ مِنه أن يُطلِعني على النَص الأصلي للخَبر. أُصِبتُ بالدهشةِ حين قرأتُ الخبر ، حيث كان يتحّدث عن الخسائر البشريةِ الهائلة جَرّاء مَوْجاتِ ( التسونامي ) الهائلة التي أعقَبتِ الزِلزال ، والمَعروف لدى المُلمين باللغةِ التركية ، أن الاتراك إذا أرادوا وَصفَ شئ يَتّصفُ بالضَخامة والكُبُر ، كّنوا عنه ب ( dev ) وزميلنا المسكين حَين قَرأ عِبارة ( dev dalğalar ) إختلَط عليه الأمرُ فَترجَمَها ( الامواج الغُولية ) وَكان مِن المُمكن أن يُترجِمها الى ( المَوجات العِملاقة العاتية ) كيْ يتّسق الوصفُ مَع العبِارة دونَ الأضرار بمضمونِ الخبر. ويَبدو أن آفةَ الالتزامِ الحَرفي في الترجمة قد سَرتْ في الاوساط الاعلامية بشكلٍ واسع ،

وما زال بعضُ الزملاء الاعلاميين الكبار سِّناً يتذّكرون غَلطة مُذيع تلفزيون كركوك في بداية السبعينيات مِنَ القرن الفائِت ، حينَ قرأ في النَشرةِ الخَبرية ، خَبراً عنِ الامارات العربية المتّحدة ، وتحديداً عن إمارة ( رأس الخيمة ) التي ترجَمها المُحِررُ حَرفياً ، وقرأها المذيع ( çadır başı emirligi ) .! ولمْ يقتِصر الأمرُ بالطبقةِ الاعلامية والصَحفية في الوقوعِ بمَطبِّ الترجمة الحَرفية ، بل تَعدّاهُ إلى شرائحَ واسعة مِنَ المُجتمع وعامةِ الناس ، وأعرفُ شخصاً ،

رَاجَع دائرةَ التجنيد لِدفعِ البَدلِ النقدي للخدمة العسكرية الالزامية ، وكان وحيدَ عائلِته ، فسأله ضابطُ التجنيد ، بالعربية : هل لديك أخوان وأخوات.؟

فأجابَه على الفَور : آني بالمطبخ واحد .. وأرادَ بذلك ترجمةَ الكِناية التركمانية ( ocağta bir tane ) التي تعَني وحيدَ العائلة وتُطلق على الشخصِ الذي ليس له أشقاء و شقيقات..

والمَعروف أن كلمة (ocağ ) أسمٌ ( جناس ) يَحمِل أكثر مِن معنى فهو يُطلق على مَوقد إعداد الطعام ، مِثلما يُطلق على النَسَب والأرومة والأصل..

وقريباً من هذا المَعنى ، حدّثني أحدُ المُعمّرين الكركوكليين ، أن صديقاً له كان شديدَ الأعجابِ بالانگليز ، يقلدّهم في الملبسِ والمأكلِ وطريقة الكلام ،رغم أنه لا يُجيد الانگليزية ، فكانَ أنْ قدّم طلباً إلى شركة ( ipc ) للنفط ، لِغرض التعيين كَعامل ، وقابل لجنة التعيينات في الشركة ، فسألوهُ عَن إسمه ، فأجابهم : عبد الوان فراي دي..

وهي ترجمة حرفية لأسمه الحقيقي ( عبد الواحد جمعة ) .!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات